أحكام إيجار المستأجر المكان من الباطن | بغير إذن المؤجر والاستثناء

+ حجم الخط -

 أحكام إيجار المستأجر المكان من الباطن 

 بغير إذن المؤجر والاستثناء

 النص القانوني : تنص المادة 2 ( فقرة ب ) من قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 على ما يأتي :

لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان المؤجر ، ولو عند انتهاء المدة المتفق عليها في العقد ، إلا لأحد الأسباب الآتية : 

( ب ) إذا كان المستأجر قد أجر من الباطن المكان المؤجر بغير إذن كتابي صريح من المالك في تاريخ التأجير ، ولا يعمل بالتصريح العام في العقد الأصلي بالتأجير من الباطن إلا إذا كان لاحقا لآخر ديسمبر سنة 1943(   ) . وفي إجارة الوقف إذا تنازل المستأجر عن الإيجار أو أجر المكان كله أو بعضه من الباطن - ولو كان مأذوناً له في ذلك - كان لناظر الوقف أن يطلب الإخلاء أو أن يتمسك بالعقد لجديد ، فإذا اختار التمسك به قامت العلاقة مباشرة بينه وبين المتنازل إليه أو المستأجر من الباطن من تاريخ نشوء هذا العقد . وتسري أحكام هذه الفقرة على كافة العقود القائمة.

ويتبين من هذا النص أن التأجير من الباطن بغير إذن المالك يخول لهذا الأخير الحق في فسخ الإيجار وطلب إخلاء العين ، سواء حصل التأجير من الباطن بعد امتداد الإيجار الأصلي بحكم القانون أو أثناء سريان المدة الأصلية لهذا الإيجار . والأصل أن للمستأجر حق التنازل عن الإيجار أو الإيجار من الباطن ، وذلك عن كل ما استأجره أو بعضه ، ما لم يقض الاتفاق بغير ذلك ( م 593 مدني ) . وتقضي تطبيق هذه القاعدة العامة هو ألا يكون للمالك حق فسخ الإيجار بسبب تأجير المستأجر العين من الباطن إلا إذا كان هناك شرط مانع من التأجير من الباطن ، وللمحكمة سلطة تقديرية في إجابة المالك إلى طلبه أو عدم إجابته . أما النص الوارد في التشريع الاستثنائي ( م 2 فقرة ب ) فيخول للمالك حق الفسخ ، دون أن تكون للمحكمة سلطة تقديرية في ذلك ، إذا أجر المستأجر العين من الباطن ولو لم يكن هناك شرط مانع ، بل ولو كان هناك ترخيص عام في الإيجار من الباطن وراد في عقد إيجار مبرم قبل أول يناير سنة 1944 ما لم يكن هناك إذن كتابي خاص وقت التأجير من الباطن . والعلة في هذا النص الاستثنائي أن المشرع ، بعد أن خول المستأجر المزايا التي سبقت الإشارة إليها وتتلخص في البقاء بأجرة مخفضة في العين المؤجرة بعد انقضاء مدة الإيجار ، وجد من الواجب "أن تلقي على المستأجر واجبات شديدة تضمن من جهة قيامه بسداد هذه الأجرة المخفضة في ميعادها ، ومن جهة أخرى المحافظة على أن يكون شغله للمحل بهذه الأجرة ناشئاً عن ضرورة حقيقية دون أن يتخذه وسيلة للاستغلال والربح بأن يؤجره من باطنه . والغالب أن يكون هذا التأجير بإيجار مرتفع ارتفاعا فاحشاً يثري به على حساب المالك ، ولإخفاء هذه الزيادة يكتب العقد بالقيمة القانونية ويأخذ الفرق نقداً من المستأجر الثاني"(   ) . ومن ثم قضي التشريع الاستثنائي بأنه "لا يجوز للمستأجر أن يؤجر المكان من باطنه إلا بإذن كتابي من المالك وقت التأجير من الباطن ، ولا عبرة بما يكون قد نص عليه في العقد الأصلي من تخويل المستأجر حق التأجير من الباطن ، لأن أغلب العقود القديمة السابقة على سنة 1940 والتي صارت تتجدد من نفسها بدون إرادة المالك كان منصوصاً فيها على تخويل المستأجر حق التأجير من الباطن . وما كان في ذلك ضرر على المالك ، لأن المحلات كانت تؤجر بقيمتها الحقيقية سواء من الأصل أو من الباطن . ومن جهة أخرى فإن قيام المستأجر بتأجير المحل من باطنه دليل على أنه غير محتاج إليه ، احتياج المستأجر إلى شغل المحل هو العلة في كل القيود الواردة في قانون الإيجارات

أحكام إيجار المستأجر المكان من الباطن


وظهرت هذه القيود على التأجير من الباطن لأول مرة في المرسوم بقانون رقم 140(   ) ، ثم توسع فيها المشرع في قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947(   ) . ومن ثم لا تسري هذه القيود بأثر رجعي على وقائع الإيجار من الباطن التي تمت قبل العمل بهذه التشريعات(   ) .

 ونبحث الآن الشروط الواجب توافرها حتى يكون للمالك حق الإخلاء لسبب التأجير من الباطن ، ثم نبحث إجراءات هذا الطلب .

 شروط طلب الإخلاء : هناك شرطان يتطلبهما القانون حتى يجوز للمالك طلب الإخلاء ، هما : ( أولا ) أن يقوم المستأجر بتأجير المكان المؤجر من باطنه . ( ثانيا ) أن يكون التأجير من الباطن بغير إذن من المالك .

وهناك حالتان استثنائيتان : ( إحداهما ) يكتفي فيها بالشرط الأول ، وهي إجارة الوقف . ( والأخرى ) على العكس من ذلك لا يجوز فيها الإخلاء ولو توافر الشرطان ، وهي حالة الإيجار من الباطن أو التنازل عن الإيجار عند بيع المصنع أو المتجر .

فنبحث كل من الشرطين السالف ذكرهما ، ثم كلا من الحالتين الاستثنائيتين :

 الشرط الأول - التأجير من الباطن : يقول النص : "إذا كان المستأجر قد أجر من الباطن المكان المؤجر" . فيجب إذن لجواز طلب الإخلاء أن يكون قد صدر من المستأجر عقد إيجار من الباطن(   ) ، وقد سبق تفصيل ما هو الإيجار من الباطن(   ) . ولم يذكر المشرع هنا التنازل عن الإيجار إلى جانب الإيجار من الباطن ، ومن عادته أن يذكر الاثنين معاً ، حتى إنه عندما أضاف النص الخاص بإجارة الوقف إلى الفقرة ( ب ) م المادة 2 سالفة الذكر بموجب المرسوم بقانون رقم 657 لسنة 1953 لم يغفل التنازل عن الإيجار وذكره إلى جانب الإيجار من الباطن . ويحمل إغفال التنازل عن الإيجار في قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 على أنه غير مقصود ، وقد أراد المشرع بعبارة "أجر من الباطن" أن تشمل الإيجار من الباطن والتنازل عن الإيجار معاً . ولو قيل بغير ذلك ، وبأن الإيجار من الباطن وحده هو الممنوع دون التنازل عن الإيجار ، لسهل التحايل على القانون ، ولعمد المستأجر إلى التنازل عن الإيجار بدلا من الإيجار من الباطن ، فيصل بذلك إلى نفس النتيجة وهي استغلال حماية القانون إياه في الإيجار الصادر له من المالك ، وهذا ما أراد القانون منعه . هذا إلى أن المشرع ذكر بصريح النص أن "منع المستأجر من أن يؤجر من الباطن يقتضي  منعه  من التنازل عن الإيجار وكذلك العكس" ( م 594/1 مدني ) ، فيمكن قياس المنع التشريعي على المنع الاتفاقي ، ويكون المشرع عندما منع الإيجار من الباطن ورتب عليه جواز الإخلاء  منع في الوقت ذاته التنازل عن الإيجار ورتب عليه نفس النتيجة(   ) . ويخلص من ذلك أنه يستوي أن يصدر من المستأجر إيجار من الباطن أو تنازل عن الإيجار ، ففي الحالتين يتوافر الشرط الأول من شرطي جواز طلب الإخلاء . ويستوي كذلك أن يكون الإيجار من الباطن أو التنازل عن الإيجار واقعاً على كل المكان المؤجر أو على بعضه

وقد قدمنا أنه لا يعتبر إيجاراً من الباطن ولا تنازلا عن الإيجار أن يدخل المستأجر معه شركاء في المتجر أو المصنع الذي أقامه في العين المؤجرة(   ) ، ولا يسكن العين خادمه أو أحد من أتباعه بدلا من أن يسكنها هو ، ولا أن يستنزل ضيوفاً لمدة قصيرة أو طويلة ولا أن يسكن معه أقارب أو أصدقاء(   ) . كذلك لا يعتبر إيجارا من الباطن ولا تنازلا عن الإيجار أن تنزل شركة عن الإيجار لشركة تخلفها إذا كانت الشركة الثانية ليست إلا استمراراً للشركة الأولى ، ولا تمنع زيادة رأس المال أو إنقاصه أو مد أجل لشركة أو تغيير مركز إدارتها من أن تعتبر الشركة متسمرة(   ) .

كذلك لا يعد إيجاراً من الباطن بالمعنى المقصود في الشرط الذي نحن بصدده أن يكون المنزل في جهة تعتبر مصيفاً أو مشتى ويؤجره المستأجر من باطنه مدة الصيف أو مدة الشتاء . ذلك أنه روعي في إيجار المنزل هذه الميزة ، وكانت محل اعتبار عند تقدير الأجرة ، فاستغلال المستأجر للمنزل على هذا النحو يعتبر استغلالا مألوفاً يتوقعه المالك وقد تقاضى ثمنه في الأجرة الأصلية أولا ثم في العلاوة التي يسمح بها القانون وهي 70%(   ) . ولكن إذا أجر المستأجر العين من الباطن لا لمدة فصل معين ، كان هذا مسوغاً للإخلاء ، حتى لو كان المستأجر قد فرش العين و زودها بأدوات ذات قيمة ، ولا يقبل منه القول بأنه يستغل الأثاث أو الأدوات أكثر مما يستغل العين نفسها ما دام المستأجر من الباطن لا يستطيع الانتفاع بالأثاث أو الأدوات إلا مع الانتفاع بالعين(   ) .

وإذا وقع الإيجار من الباطن ، فإن الذي يطلب الإخلاء هو المالك لا المستأجر ، والنص صريح في هذا المعنى إذ يقول : "إذا كان المستأجر قد أجر من الباطن المكان المؤجر بغير إذن كتابي صريح من المالك" . وهذا بديهي لأن الاستغلال واقع على المالك لا على المستأجر الأصلي ، وهذا الأخير هو المستغل . ومن ثم لا يجوز للمستأجر الأصلي أن يطلب هو إخلاء المستأجر من الباطن(   ) . كذلك لا يجوز له ، إذا حصل على إذن كتابي من المالك وأجر من الباطن ، ثم أجر المستأجر من الباطن بدوره إلى مستأجر ثانٍ من الباطن دون إذن كتابي من المالك ، أن يطلب الإخلاء من المستأجر من الباطن الأول ا المستأجر من الباطن الثاني(   ) .

647- الشرط الثاني - بغير إذن من المالك : ويشترط في الإيجار من الباطن أو التنازل عن الإيجار من الباطن أو التنازل عن الإيجار أن يكون "بغير إذن كتابي صريح من المالك في تاريخ التأجير ، ولا يعمل بالتصريح العام في العقد الأصلي بالتأجير من الباطن إلا إذا كان لاحقاً لآخر ديسمبر 1943" . ويخلص من هذا النص أنه يجب التفريق بين فرضين : ( الفرض الأول ) أن يكون عقد الإيجار الأصلي قد تم في تاريخ غير متأخر عن 31 ديسمبر سنة 1943 أي سابق على أول يناير 1944 . وفي هذا الفرض لا يجوز للمستأجر أن يؤجر من الباطن أو أن يتنازل عن الإيجار إلا بإذن كتابي صريح من المالك وقت التأجير أو التنازل(   ) ، سواء كن عقد الإيجار الأصلي يتضمن شرطاً مانعاً من الإيجار من الباطن أو من التنازل عن الإيجار ، أو كان هذا العقد مسكوتاً فيه عن ذلك ، أو كن يتضمن ترخيصاً صريحاً في الإيجار من الباطن وفي التنازل عن الإيجار . فالشرط المانع يقتضي بداهة إذنا كتابياً صريحاً بنسخة . وسكوت عقد الإيجار الأصلي ، بل تضمنه ترخيصاً عاما في الإيجار من الباطن وفي التنازل عن الإيجار ، وإن كان هذا أو ذاك كافياً لتخويل المستأجر الحق في الإيجار من الباطن وفي التنازل عن الإيجار بحسب القواعد العامة ، إلا أن المشرع هنا لم يكتف بذلك بل اقتضى الحصول على إذن كتابي صريح خاص من المال وقت التأجير من الباطن أو التنازل عن الإيجار . وتقول لجنة العدل بمجلس الشيوخ ، كنا رأينا(   ) ، في تقريرها الثاني في تعليل ذلك ما يأتي : "ولا عبرة بما يكون قد نص عليه في العقد الأصلي من تخويل المستأجر حق التأجير من الباطن ، لأن أغلب العقود القديمة السابقة على سنة 1940 والتي كانت تتجدد من نفسها بدون إرادة المالك كان منصوصاً فيها على تخويل المستأجر حق التأجير من الباطن ، وما كان في ذلك ضرر من المالك لأن المحلات كانت تؤجر بقيمتها الحقيقية سواء من الأصل أو من الباطن" . ( والفرض الثاني ) أن يكون عقد الإيجار الأصلي قد تم في تاريخ متأخر عن 31 ديسمبر سنة 1943 ، أي منذ أول يناير سنة 1944 . وفي هذا الفرض لا يجوز للمستأجر أن يؤجر من الباطن أو أن يتنازل عن الإيجار إلا بإذن كتابي صريح من المالك وقت التأجير من الباطن أو التنازل عن الإيجار ، سواء كان عقد الإيجار الأصلي يتضمن شرطاً مانعاً من الإيجار من الباطن أو من التنازل عن الإيجار ، أو كان هذا العقد سكوتا فيه عن ذلك . أما إذا كان العقد يتمن ترخيصاً عاماً في الإيجار من الباطن وفي التنازل عن الإيجار ، فإن هذا الترخيص العام وقت الإيجار الأصلي يغني عن الإذن الكتابي الخاص وقت التأجير من الباطن أو التنازل عن الإيجار(   ) .  ونرى من ذلك أن المشرع في الفرض الثاني أو جب الإذن الكتابي الخاص حتى لو سكت الإيجار الأصلي ، وقد كان هذا السكوت يخول المستأجر الإيجار من الباطن والتنازل عن الإيجار بحسب القواعد العامة ، وفي هذا يتفق الفرض الثاني مع الفرض الأول . ولكن الفرض الثاني يختلف عن الفرض الأول فيما إذا كان الإيجار الأصلي تضمن ترخيصاً عاماًن فهذا الترخيص العام يغني عن الإذن الكتابي الخاص في الفرض الثاني ، ولا يغني عنه في الفرض الأول . والسبب في ذلك أن الإيجار الأصلي في الفرض الثاني قد أبرم في تاريخ متأخر عن 31 ديسمبر سنة 1943 ، أي في وقت اشتدت فيه أزمة المساكن ، فإن رخص المالك صراحة للمستأجر في الإيجار من الباطن فقد قبل ذلك وهو على بينة من أمره ، وكان يستطيع ألا يقبل أو في القليل أن يسكت .

ويخلص مما قدمناه أن المستأجر الأصلي ، حتى لا يدع للمالك سبيلا إلى طلب الإخلاء ، يجب عليه أن يحصل منه على إذن كتابي خاص وقت التأجير من الباطن إذا كان عقد الإيجار الأصلي مبرماً قبل أول يناير سنة 1944 ، فإذا كان مبرماً منذ هذا التاريخ وجب الحصول على الإذن الكتابي(   ) ما لم يكن الإيجار الأصلي قد تضمن ترخيصاً عاماً(   ) . والكتابة في الإذن الخاص ليست ركنا شكلياً فيه(   ) . ، بل هي مطلوبة للإثبات ، فيقوم مقامها الإقرار أو اليمين(   ) . ولا يعتبر $1092 إثباتا كتابياً كافياً الإيصال الصادر من المؤجر بتسلمه الأجرة من المستأجر الأصلي ومن المستأجر من الباطن(   ) ، أما إذا قبل المؤجر قبض الأجرة من المستأجر م الباطن دون تحفظ فإنه يكون بذلك قد أقر الإيجار من الباطن(   ) . ولا يغني علم المؤجر بالإيجار من الباطن وسكوته عن ذلك عن الإذن الكتابي الخاص   

وقد قدمنا أن هذا الإذن الكتابي الخاص ، وكذلك الترخيص العام الوارد في عقد إيجار أصلي مبرم بعد آخر ديسمبر سنة 1943 ، مما يجوز تقويمه وتضاف قيمته إلى  أجرة الأساس عند تقدير الحد الأقصى للأجرة(   ) .

فإذا لم يحصل المستأجر على الإذن الكتابي الخاص ، ولم يتضمن الإيجار الأصلي المبرم بعد آخر ديسمبر سنة 1943 على ترخيص عام ، جاز للمالك أن يطلب الإخلاء(   )على النحو الذي سنراه فيما يلي :

الحالة الاستثنائية الأولى - إجارة الوقف : رأينا أن المرسوم بقانون رقم 657 لسنة 1953 أضاف إلى الفقرة ب من المادة الثانية من قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 النص الآتي : "وفي إيجار الوقف إذا تنازل المستأجر عن الإيجار أو أجر المكان كله ا وبعضه من الباطن -  ولو كان مأذونا له في ذلك - كان لناظر الوقف أن يطلب الإخلاء أو أن يتمسك بالعقد الجديد ، فإذا اختار التمسك به قامت العلاقة مباشرة بينه وبين المتنازل إليه أو المستأجر من الباطن من تاريخ نشوء هذا العقد ، وتسري أحكام هذه الفقرة على كافة العقود القائمة" .

ويتبين من هذا النص أنه إذا كان المكان المؤجر عينا موقوفة فقد ألغي المشرع بالنسبة إليه الشرط الثاني واقتصر على الشرط الأول . فيكفي إذن أن يؤجر المستأجر الأصلي المكان الموقف من الباطن كله أو بعضه أو يتنازل عن الإيجار حتى يكون لناظر الوقف طلب الإخلاء أو الحلول ، ولو كان المستأجر الأصلي قد حصل على إذن كتابي خاص من نفس ناظر الوقف أو من ناظر سابق ، أو كان الإيجار الأصلي لاحقاً لآخر ديسمبر سنة 1943 وتضمن ترخيصاً عاما . فيستطيع ناظر الوقف إذن ألاَّ يعتد بإذن صادر من ناظر سابق ، أو حتى بالإذن الصادر منه هو ، ويسري هذا الحكم بأثر رجعي على عقود الإيجار من الباطن أو عقود التنازل التي أبرمت قبل العمل بالمرسوم بقانون رقم 657 لسنة 1953 . وقد بينت المذكرة الإيضاحية لهذا المرسوم بقانون الأسباب التي دعت المشرع إلى سن هذه الأحكام الشديدة والى جعلها تسري بأثر رجعي ، وأوردت أمثلة عملية صارخة لتبرر هذا المسلك الاستثنائي ، فقالت : "كان بعض القائمين على أمر الأوقاف في وزارة الأوقاف وفي غيرها من الجهات التي خضعت لنظرها - كانوا يتخذون من الأوقاف وعلى حسابها وسائل دعاية للنفس أو مجاملة للصداقة أو إرضاء للحزبية ، فلم يكونوا ينظرون إلى الأعيان الموقوفة التي هي أمانة في أيديهم نظرتهم إلى ممتلكاتهم الخاصة . وهو أمر نشأ عنه هبوط القيم الإيجارية مع وجود الوسطاء الذين كانوا يستأجرون هذه الأعيان ، ثم يستغلونها استغلالا فاحشاً في بعض الأحيان . فمن أمثلة ذلك أن يستأجر رجل ملئ مكانا في شارع رئيس من شوارع القاهرة بستة عشر جنيهاً شهرياً ثم يؤجره من باطنه بستين جنيها شهرياً ، وهذا الشخص نفسه يستأجر مكانا آخر في شارع رئيس آخر بأحد عشر جنيها شهرياً ثم يؤجره من الباطن بخمسة وعشرين جنيها شهرياً . ومثل آخر يستأجر رجل قطعة أرض فضاء باثني عشر جنيها شهرياً ، ويجري فيها إصلاحات طفيفة ، ثم يؤجرها بعد ذلك من باطنه بمائيتي جنيه شهرياً ، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الصارخة . ولهذا كان لا بد من العمل على تدارك هذه الأخطار بإصدار تشريع يجيز فسخ عقود الإيجار الصادرة من الأوقاف والتي وقع فها تنازل أو إيجار من الباطن منعاً لاستغلال المواطنين من الوسطاء الذين مكنتهم من التأثير على بعض القائمين بأمر الأوقاف صداقات شخصية أو صلات حزبية ، فاستطاعوا بذلك أن يحصلوا على مبالغ طائلة بغير جهد مبذول . لهذا رؤى وضع مشروع القانون المرافق . . . وحتى يكون لهذا التشريع الأثر المرجو ، فقد نص فيه على سريانه على العقود القائمة . ويلاحظ أن هذا التشيع لا يتناول عقود الإيجار التي تتم بين الأفراد ، والسبب في ذلك أن العناية بشؤون الأوقاف لم تكن تبلغ مدى عناية الأفراد بأموالهم الخاصة . كما لوحظ في النص أن يكون مرنا فلا يوجب فسخ كل عقد حصل فيه تنازل أو تأجير من الباطن ليبيح فسخ بعض العقود التي يبدو فيها الاستغلال بشعاً فاحشاً ، كما لوحظ فيه عدم الاعتبار بالإذن ولو كان كتابياً لأن الذين يقومون على إدارة هذه الأوقاف كانوا يتأثرون في إعطائهم هذا الإذن بمعانٍ هي أبعد شيء عن الصالح العام" .

ويستوي أن تكون العين الموقوفة تحت نظارة وزارة الأوقاف أو تحت نظارة غيرها ، وتنطبق الأحكام السالفة الذكر بوجه خاص على الوقف الخيري بعد إلغاء الوقف الأهلي . أما غير الوقف فلا يخضع لهذه الأحكام ، ويجب فيه توافر الشرطين معاً - أي الإيجار من الباطن وبغير إذن المالك - والسبب في ذلك كما تقول المذكرة الإيضاحية : "أن العناية بشؤون الأوقاف لم تكن تبلغ مدى عناية الأفراد بأموالهم الخاصة" .

فإذا أجر المستأجر لمكان موقوف العين كلها أو بعضها من الباطن ، أو تنازل عن الإيجار كله أو بعضه ، كان لناظر الوقف ، حتى  لو كان هو ا ناظر سابق أعطي إذناً في ذلك للمستأجر ، أن يتخذ أحد مواقف ثلاثة : ( أ ) إما أن يستبقي الوضع كما هو فيبقى المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن ، وذلك إذا رأى ناظر الوقف أنه لم يلحق الوقف من هذه الصفقة خسارة محسوسة . ( ب ) وإما أن يطلب من المستأجر الأصلي الإخلاء فينتهي كل من الإيجار الأصلي والإيجار من الباطن ، وذلك إذا رأى ناظر الوقف أنه خير للوقف إنهاء الإيجار وإعادة تأجير العين بأجرة أعلى حتى من الأجرة التي تقاضاها المستأجر الأصلي من المستأجر من الباطن ، أو إذا كان المستأجر الأصلي قد احتاط لنفسه فأخذ من المستأجر من الباطن مقدماً ما كان يبغيه من كسب وكتب في عقد الإيجار من الباطن أجرة غير عالية وفي هذه الحالة يرجع المستأجر من الباطن على المستأجر الأصلي بما دفعه . ( جـ ) وإما أن يتمسك بالإيجار من الباطن أو بالتنازل ، فتقوم العلاقة مباشرة بينه وبين المستأجر من الباطن أو المتنازل له على أساس عقد الإيجار من الباطن ا عقد التنازل ، وذلك إذا رأى أن الأجرة في الإيجار من الباطن أو المقابل في التنازل مبلغ كبير يكسبه للوقف بفضل هذه العلاقة المباشرة .

649- الحالة الاستثنائية الثانية - بيع المصنع أو المتجر : وقد رأينا أن المادة 594/2 مدني تنص على ما يأتي : "ومع ذلك إذا كان الأمر خاصاً بإيجار عقار أنشئ به مصنع أو متجر ، واقتضت الضرورة أن يبيع المستأجر هذا المصنع أو المتجر ، جاز للمحكمة بالرغم من وجود الشرط المانع أن تقضي بإبقاء الإيجار إذا قدم المشتري ضماناً كافياً ولم يلحق المؤجر من ذلك ضرر محقق" . فإذا استأجر شخص مكاناً أقام فيه متجراً ( fonds de commerce ويشمل المصنع والمتجر ) ، واضطر إلى بيع المتجر لضرورة قامت ، فتنازل عن الإيجار لمشتري المتجر أو أجر له من الباطن بالرغم من وجود شرط مانع ، جاز للمحكمة أن تقضي بإبقاء الإيجار إذا قدم المستأجر للمؤجر ضماناً كافياً ولم يلحق المؤجر من ذلك ضرر محقق . وقد  تقدم تفصيل كل ذلك(   ) .

ولكن رأينا من جهة أخرى ، فيما تقدم ، أنه لا بد من إذن كتابي خاص من المؤجر عند التنازل أو الإيجار من الباطن ، حتى لو لم يكن إيجار المكان الذي أقيم فيه المتجر قد ورد فيه شرط مانع ، بل حتى لو كان هذا الإيجار قد تضمن ترخيصاً عاماً ما لم يكن مبرماً بعد آخر ديسمبر سنة 1943 . فهل هذا الحكم الاستثنائي قد نسخ أحكام القانون العام ، وأصبح المستأجر للمكان الذي أقيم فيه المتجر لا يستطيع التنازل عن الإيجار أو الإيجار من الباطن إلا بعد الحصول على إذن المؤجر ، وذلك سواء ورد في الإيجار شرط مانع أو لم يرد ، أو إلا بعد الحصول على ترخيص عام إذا كان الإيجار لاحقاً لآخر ديسمبر سنة 1943؟ تجيب محكمة النقض بأن التشريع الاستثنائي لم ينسخ أحكام القانون العام ، وبأنه لا يزال المستأجر المكان الذي أقيم فيه المتجر - إذا رأت المحكمة ذلك - أن يتنازل عن الإيجار أو يؤجر من الباطن ، حتى لو وجد شرط مانع ، متى توافرت الشروط الواجبة ، وذلك دون حاجة للحصول على إذن كتابي خاص من المؤجر وقت التنازل أو وقت الإيجار من الباطن . ولا يجوز للمؤجر في هذه الحالة أن يطلب إخلاء المكان ، بحجة أن المستأجر قد تنازل عن الإيجار أو أجر من الباطن دون إذن كتابي ، استناداً إلى أحكام التشريع الاستثنائي . وتقول محكمة النقض ، في تعليل ذلك ، إن أحكام هذا القانون الاستثنائي لا تفيد صراحة أو ضمنا إلغاء الرخصة المخولة للمحكمة بموجب التقنين المدني ، والتي تجيز لها بالشروط الواجبة قانوناً إبقاء الإيجار لمشتري المتجر رغم وجود شرط صريح في عقد الإيجار يحرم التأجير من الباطن أو التنازل عن الإيجار . ذلك لأن القانون رقم 121 لسنة 1947 هو تشريع استثنائي ، فلا يجوز التوسع في تفسير نصوصه لتعطيل الرخصة التي خولها التقنين المدني للمحكمة خروجاً على اتفاق المتعاقدين الصريح ، لاعتبارات تتصل بمصلحة عامة هي رغبة المشرع في الإبقاء على الرواج المالي والتجاري في البلاد(   ) .

 ويخلص من ذلك أنه إذا أقام المستأجر متجراً في المكان المؤجر واضطر إلى بيعه(   ) ، لم يكن للمؤجر طلب الإخلاء تطبيقاً لأحكام التشريع الاستثنائي ، حتى لو توافر الشرطان اللذان يتطلبهما هذا التشريع فتنازل المستأجر عن الإيجار لمشتري المتجر أو أجر له من الباطن(   )دون إذن من المالك(   ) .

- ب . إجراءات طلب الإخلاء : فإذا توافر الشرطان اللذان تقدم ذكرهما ، وأجر المستأجر العين من الباطن أو تنازل عن الإيجار بدون إذن من المالك ، جاز لهذا الأخير أن يطلب فسخ الإيجار وإخلاء المكان المؤجر ، ولو قبل انقضاء مدة الإيجار الأصلية ، فينتهي الإيجار الأصلي وينتهي معه الإيجار م الباطن أو التنازل عن الإيجار .

ولا داعي هنا ، في الإجراءات التي يتخذها المالك في طلب الإخلاء ، لأن يمر بالمراحل الثلاث التي رأيناه يمر بها في طلب الإخلاء لعدم الوفاء بالأجرة . ففي هذا الطلب الأخير يجب على المؤجر أن يكلف المستأجر بالوفاء ، وأن يمضي خمسة عشر يوماً دون أن يوفي المستأجر بالأجرة ، وبعد ذك يرفع المؤجر دعوى الإخلاء . أما هنا ، فقد وقعت المخالفة بمجرد أن يؤجر المستأجر المكان المؤجر من الباطن أو يتنازل عن إيجاره دون إذن من المالك ، ولا سبيل إلى تداركها لا بالتنبيه على المستأجر ولا يمضي مدة معينة . فلم يبق إلا أن يرفع المالك دعوى الإخلاء في أي وقت يشاء بعد وقوع المخالفة ، ولو أثناء سريان المدة الأصلية للإيجار(   ) .

وقد قدمنا أن الدعوى ترفع من المالك ، ويجوز رفعها من المستأجر الأصلي(   ) . وترفع على المستأجر الأصلي لا على المستأجر من الباطن ، لان موضوعها هو فسخ الإيجار الأصلي وليس الإيجار من الباطن ، وإنما ينتهي الإيجار من الباطن بانتهاء الإيجار الأصلي(   ) . ويجوز مع ذلك للمالك أن يدخل المستأجر من الباطن في الدعوى ، وإن كان ذلك غير ضروري لأن الحكم الصادر ضد المستأجر الأصلي يجوز تنفيذه على المستأجر م الباطن ولو لم يختصم في الدعوى(   ) .

وترفع الدعوى وفقاً للإجراءات الخاصة التي رسمها التشريع الاستثنائي ، والى المحكمة الكلية ذات الاختصاص طبقاً لأحكام هذا التشريع ، ويكون الحكم غير قابل للطعن فيه بأي وجه .

وإذا رفعت الدعوى تحتم على المحكمة أن تقضي بفسخ الإيجار وبإخلاء المكان وليست لها أية سلطة تقديرية في ذلك ، وتنحصر سلطتها في التثبت من أن المستأجر قد أجر من الباطن أو تنازل عن الإيجار بغير إذن المالك . ولا يستطيع المستأجر أن يتفادى الحكم بالإخلاء إذا هو بادر إلى فسخ الإيجار من الباطن ا التنازل عن الإيجار ، أو إذا هو أثبت أن هذا الإيجار أو التنازل لم يعد بأي ضرر على المالك ، فالحكم بالفسخ - كما تقول المذكرة الإيضاحية للرسوم بقانون رقم 140 لسنة 1946 - "مطلق تقع نتيجته بقيام سببه ، فليس يجدي في تفاديه أو عدم تطبيقه الادعاء بأن المؤجر لم يصبه ضرر من الإيجار م الباطن أو أنه يعتبر متعسفاً في استعمال حقه حين يطلب الإخلاء لهذا السبب"(   ) . وقد قدمنا مثل ذلك في طلب الإخلاء بسبب عدم وفاء المستأجر بالأجرة(   ) .

وكما في طلب الإخلاء بسبب عدم وفاء المستأجر بالأجرة أيضاً ، يجوز للقاضي أن ينظر المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن إلى أجل معقول لتنفيذ حكم الإخلاء ، إذا استدعت الحالة ذلك ولم يلحق المؤجر من هذا التأجيل ضرر جسيم ، عملا بأحكام المادة 346/2 مدني(   ) .

كتابة تعليق