المستشار لأعمال المحاماة

شرح عقد التأمين فى القانون | الجزء الأول

+ حجم الخط -

 شرح عقد التأمين فى القانون 

 الجزء الأول 


التعريف بعقد التأمين – نص قانوني : تنص المادة 747 من التقنين المدني على ما يأتي :

"التأمين عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له ، أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه ، مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين بالعقد ، وذلك في نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن(   ) ."

ويستخلص من هذا التعريف أن شخصاً يتعرض لخطر في شخصه كما في التأمين على الحياة ، أو في ماله كما في التأمين من الحريق أو التأمين من المسئولية ، فيعمد إلى تأمين نفسه من هذا الخطر ، بأن يتعاقد مع شركة تأمين يؤدي لها أقساطاً دورية في نظير أن يتقاضى منها مبلغاً من المال عند تحقق الخطر . وقد أسمى النص هذا الشخص "المؤمن له"(   ) ، ويجوز أن يشترط دفع المال عند تحقق الخطر لشخص آخر غيره ، ففي التأمين على الحياة مثلاً قد يشترط المؤمن له دفع مبلغ التأمين لزوجته أو لأولاده ، فيسمى هذا الشخص الآخر "المستفيد" . أما شركة التأمين ، أو هيئة التأمين بوجه عام ، فقد أسماها النص "المؤمن" . ويدفع المؤمن له للمؤمن عادة أقساطاً سنوية متساوية القيمة ( primes fixes ) ، وقد يدفع اشتراكاً ( cotisation ) دورياً يتفاوت مقداره في جمعيات التأمين التبادلية ( soc . D'asusrsnces mutuelles ) ، وقد يدفع مبلغاً مقطوعاً جملة واحدة كما إذا دفع هذا المبلغ في مقابل أن يتقاضى من المؤمن إيراداً مرتباً مدى حياته . والمؤمن يدفع عادة للمؤمن له أو للمستفيد عند تحقق الخطر مبلغاً من المال ، وقد يدفع له إيراداً مرتباً كما رأينا وقد يدفع له أي عوض مالي آخر كما إذا قام بتجديد البناء المحترق في التأمين من الحريق . وهذا كله منصوص عليه صراحة في المادة 747 مدني سالفة الذكر .

شرح عقد التأمين فى القانون | الجزء الأول

 ونرى من ذلك أن التعريف المتقدم الذكر قد أبرز عناصر عقد التأمين ، فهو عقد يبرم بين المؤمن له والمؤمن ، وقد يوجد إلى جانب المؤمن له شخص آخر يتقاضى مبلغ التأمين هو المستفيد . وأبرز التعريف أن التأمين يقوم على خطر أو حادث يخشى وقوعه ويبغي المؤمن له تأمينه منه ، ويلتزم بدفع مقابل التأمين للمؤمن وهو القسط أو الاشتراك أو الدفعة المالية الأخرى ، كما يلتزم المؤمن بدفع مبلغ التأمين للمؤمن له أو المستفيد عند وقوع الحادث أو تحقق الخطر وهو المبلغ المقطوع أو الإيراد المرتب أو العوض المالي الآخر .

والتعريف على هذا النحو يصلح تعريفاً وافياً لعقد التأمين من أحد جانبيه ، جانب العلاقة ما بين المؤمن والمؤمن له . ولكن للتأمين جانباً آخر ، ولا يمكن فهم التأمين على الوجه الصحيح دون أن يوضع هذا الجانب محل الاعتبار الأول . فشركة التأمين لا تبرم عقد التأمين مع مؤمن له واحد ، أو مع عدد قليل من المؤمن لهم . ولو أنها فعلت ، لكان عقد التأمين مقامرة أو رهاناً ، ولكان عقداً غير مشروع . إذ تكون الشركة قد تعاقدت مع مؤمن له على أنه إذا احترق منزله مثلاً – في التأمين على الحريق- دفعت له قيمته ، وإذا لم يحترق كان مقابل التأمين الذي دفعه المؤمن له حقاً خالصاً لها ، وهذا هو الرهان بعينه . ولكن الشركة تتعاقد مع عدد كبير من المؤمن لهم ، وتتقاضى من كل منهم مقابل التأمين ، ومن مجموع ما تتقاضاه من هؤلاء جميعاً تعوض العدد القليل الذين تحترق منازلهم ، فيفي ما تتقضاه من المؤمن لهم بما تدفعه من التعويض لبعضهم ، لأنها تحسب مقابل التأمين على أساس فني مستمد من الإحصاء علىالنحو الذي سنبينه فيما يلي عند الكلام في الأسس الفنية للتأمين . فالتأمين ، إذا نظر إليه من الجانب الآخر وهو العلاقة بين الشركة ومجموع المؤمن لهم ، لا يحمل طابع المقامرة أو الرهان . والشركة ، إذا حددت مقابل التأمين تحديداً دقيقاً على الأسس الفنية الصحيحة ، وأحسنت إدارة أعمالها ، لا تتعرض لخطر يزيد على الخطر الذي تتحمله الشركات عادة في أعمال التجارة الأخرى غير أعمال التأمين ، فالمؤمن لهم ، وجميعهم معرضون لخطر واحد يتحقق في العادة بالنسبة إلى عدد قليل منهم ولا يتحقق بالنسبة إلى الغالبية العظمى ، يتعاونون جميعاً في تعويض العدد القليل منهم الذين يتحقق الخطر بالنسبة إليهم ، فلا يتحمل هؤلاء الأخيرون الخسارة وحدهم . وبذلك يكفل التأمين للجميع توزيع الخسارة عليهم ، فلا يخسر أي منهم إلا مقابل التأمين الذي دفعه(   ) .

$ 1090ومن ذلك نرى أن التعريف الذي قدمناه ، إن صلح في العلاقة ما بين شركة التأمين ومؤمن له بالذات ، فهو لا يصلح في العلاقة ما بين الشركة ومجموع المؤمن لهم ، ولا يعين التعريف أهم دعامة يقوم عليها التأمين وهي توزيع الخسارة بين المؤمن لهم جميعاً . والتعريف الذي يجمع بين الجانبين معاً ، فيبرز مقومات التأمين في وضوح ، تعريف قال به أحد الفقهاء الفرنسيين فشاع في الفقه الفرنسي ، إذ يعرف الأستاذ هيمار التأمين بأنه عقد "بموجبه يحصل أحد المتعاقدين ، وهو المؤمن له ، في نظير مقابل يدفعه ، على تعهد بمبلغ يدفعه له أو للغير ، إذا تحقق خطر معين ، المتعاقد الآخر وهو المؤمن ، الذي يدخل في عهدته مجموعاً من هذه الأخطار يجرى مقاصة فيما بينها طبقاً لقوانين الإحصاء"(   ) .

وللتأمين ناحيتان : ( 1 ) ناحية تنظيمه الداخلي ، وتتناول الأسس الفنية التي يقوم عليها والوظائف التي يؤديها والهيئات التي تضطلع به وتنظيم الرقابة عليها والضمانات اللازمة لمواجهة الالتزامات التأمينية نحو عملاء التأمين . ( 2 ) ناحية التأمين في علاقة المؤمن بالعملاء ، وهذا هو عقد التأمين الذي سبق تعريفه فيما تقدم ، وهي الناحية التي نقف عندها لأنها هي التي تعنينا . ولكنا نقول كلمة موجزة ، في هذه المقدمة ، في كل من الناحيتين ، قبل أن نقصر كلامنا على الناحية الثانية منهما .

1 – التأمين من ناحية التنظيم الداخلي

543 – الأسس الفنية التي يقوم عليها التأمين : قدمنا أن التأمين في العلاقة ما بين المؤمن ومجموع المؤمن لهم ، يقوم على أسس فنية هي التي تباعد ما بينه وبين المقامرة والرهان ، وتجعله لا يتوقف على الحظ ومصادفة وقوع الخطر .

فالمؤمن يجمع بين أكبر عدد ممكن من المؤمن لهم ، يشتركون جميعاً في التعرض لخطر معين – الحريق أن السرقة أو المسئولية عن الحوادث أو الوفاة أو غير ذلك من الأخطار – فيضعون ما يتعرضون جميعاً له من خطر في وعاء واحد ، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم ساهموا جميعاً في الخسائر التي تنجم عن ذلك . فالتأمين يقوم إذن أول ما يقوم على فكرة تبادل المساهمة في الخسائر . هذا التبادل واضح كل الوضوح في الجمعيات التبادلية للتأمين ، وهو واضح كذلك حتى لو كانت الهيئة التي تقوم بالتأمين شركة مساهمة . فهذه الشركة ليست إلا وسيطاً بين المؤمن لهم جميعاً ، تقوم بجمعهم وبتقاضي ما يقدمه كل منهم من المساهمة في الخسائر المحتملة وبدفع التعويض لمن أصيب منهم بالخسارة من جراء تحقق الخطر . فالمؤمن لهم هم الذين يقومون في الواقع بتعويض الخسائر عن طريق المساهمة فيها ، كل بما يدفعه للشركة من مقابل التأمين . ففكرة تبادل المساهمة في الخسائر قائمة حتى عندما يكون المؤمن شركة مساهمة ، وليست هذه الشركة كما قدمنا إلا وسيطاً ينظم هذه المساهمة .

وتنظيم المساهمة في الخسائر يقوم على أساسين فنيين ، أولهمها تقدير الاحتمالات ( calcul des probabilities ) ، والثاني قانون الكثرة ( loi des grands nombres . فالمؤمن من خطر معين – الحريق مثلاً – يجمع كما قدمنا بين أكبر عدد ممكن من المؤمن لهم المعرضين لهذا الخطر ، ويقدر احتمالات تحقق الخطر – أي وقوع الحريق – بالنسبة إلى هؤلاء جميعاً ، طبقاً لقوانين الإحصاء . وإحصاء عدد مرات الحريق التي وقعت في الماضي ومبلغ أهمية كل حريق منها ، ومدى احتمال تحقق  مثل ذلك أو قريب منه في المستقبل ، هذا هو المقصود بتقدير الاحتمالات . ويقرب هذا التقدير من الدقة بقدر ما يكون عدد المعرضين لخطر الحريق كبيراً . فإذا أهدى الإحصاء إلى أن كارثة واحدة من كوارث الحريق تقع في كل ألف يتعرضون لهذا لخطر ، فإن هذا التقدير قلما يصدق إذا كان المؤمن لهم ألفا فقط ، إذ تكون عوامل الحظ والمفاجأة هنا لها المقام الأول . فإذا كان المؤمن لهم خمسة آلاف ، ضعفت عوامل الحظ والمصادفة ، واقترب التقدير قليلاً إلى الدقة ، حتى إذا كان المؤمن لهم عشرة آلاف مثلاً ، ابتدأ الحظ ينتفي واقترب التقدير كثيراً إلى الدقة ، وتزداد الدقة كلما ازداد العدد . وهذا هو المقصود بقانون الكثرة .

وحتى يكون تقدير الاحتمالات ممكناً على أساس قانون الكثرة وطبقاً للإحصاءات ، يجب أن يتوافر في الخطر المؤمن منه شروط ثلاثة : ( 1 ) أن يكون الخطر متفرقاً ( dispersé ) ، فلا يتجمع وقوعه في وقت واحد ، بل يتفرق على أوقات متباعدة . ومن ثم يكون من العسير التأمين من الزلازل والبراكين والحروب والإضطرابات في بلاد تتعرض عادة لهذه الأخطار ، إذ الخطر هنا لا يتحقق متفرقاً ( dissiminé ) بل يتحقق متجمعاً في وقت واحد ، فيواجه المؤمن من جراء ذلك ظروفاً حرجة قد تحول دون أن يقوم بمهمته ، ( 2 ) أن يكون الخطر متماثلاً ( homogéne ) . فيتجانس في طبيعته : حريق أو مسئولية عن حوادث السيارات أو سرقة أو وفاة شخص . ويتجانس في محله : حريق مبانٍ أو بيوت من الخشب أو مصانع أو منقولات أو تأمين على الحياة تبعاً لأسنان معينة . ويتجانس في قيمته : فإذا تفاوتت القيمة وكان أحد المؤمن لهم معرضاً لخطر جسيم يفوق كثيراً الخطر الذي يتعرض له سائر المؤمن لهم ، عولج هذا التفاوت بتقسيم الخطر إلى أجزاء وتأمين كل منها بعقد مستقل ( coassurance ) أو بإعادة التأمين فيما يزيد على القيمة المألوفة ( réassurance ) ) . ويتجانس في مدته : فالتأمين على الحياة لمدة عشر سنوات يقوم مستقلاً عن التأمين على الحياة لمدة عشرين سنة أو لمدة ثلاثين سنة . ( 3 ) أن يكون الخطر منتظم الوقوع ( de fréquence réguliére ) إلى درجة مألوفة . فلا يكون وقوعه من الندرة بحيث يتعذر عمل إحصاء عنه ، ولا من الكثرة بحيث يكلف التأمين منه ثمناً غالياً ويصبح التأمين غير مجد من الناحية الاقتصادية . والمقصود بانتظام الوقوع هنا ليس الوقوع بالنسبة إلى مؤمن له بالذات فهذا معرض للخطر على وجه لا يمكن وصفه بالانتظام ، وإنما بالنسبة إلى مجموع المؤمن لهم فهؤلاء يمكن أن يتوزع بينهم الخطر على نحو مألوف .

فإذا توافرت هذه الشروط في الخطر ، كان خطراً يمكن التأمين منه ( assurable ) ، وكان تقدير الاحتمالات فيه قريباً من الدقة . فإذا ابتعد قليلاً عن الدقة ، أمكنت معالجة هذا الابتعاد ( écart ) بأمرين : ( 1 ) اتخاذ الاحتياطات الواقية من الخطر : فيمكن لشركات التأمين من الحريق مثلاً اتخاذ الاحتياطات الواقية من خطر الحريق ، وبالاستكثار من فرق مكافحة الحريق ، وبتخفيض أقساط التأمين للمؤمن له الذي يستعمل أحدث الآلات والوسائل للوقاية من خطر الحريق . ويمكن لشركات التأمين من حوادث السيارات اتخاذ الاحتياطات الواقية من هذه الحوادث بالعمل على إصلاح الطرق ، ووضع العلامات الهادية للسائقين ، وفحص السيارات فحصاً دقيقاً قبل التأمين عليها ، وإنشاء خدمات في الطرق العامة تكون مهمتها العمل على منع الحوادث وإغاثة المؤمن لهم إذا وقعت الكارثة . وتلجأ شركات التأمين إلى احتياط يساعد على إنقاص الحوادث ، فتشترط على المؤمن له أن يتحمل قسطاً معيناً من الخسارة عند وقوع الكارثة ( clause de découvert obligatoire ) ، وبذلك يكون للمؤمن له مصلحة شخصية في توقي الحوادث . ( 2 ) إعادة التأمين : وقد قدمنا أن شركة التأمين تلجأ إليه عندما تؤمن من خطر جسيم ، فتؤمن هي بدورها بما يزيد على القيمة المألوفة عند شركة من شكات إعادة التأمين . ولإعادة التأمين صور أخرى سنتناولها بالبحث فيما يلي(   ) .

فإذا اقتربت شركة التأمين من الدقة بالقدر المستطاع في تقدير الاحتمالات ، أمكنها بهذا القدر من الدقة أن تحدد قيمة أقساط التأمين التي يدفعها المؤمن لهم ، إذ أن مجموع هذه الأقساط هو المقدار الواجب لتعويض الخسائر المقدر وقوعها . ومن هنا نرى أن التأمين يقوم على فكرة تبادل المساهمة في الخسائر كما قدمنا ، والغرض الأول منه أن يجعل هذه الخسائر التي تتحقق لبعض المؤمن لهم شائعة بين الجميع ، فيساهمون في تحملها ، كل بمقدار ما يدفع من الأقساط ، وبذلك تتشتت الكارثة ولا يختص بها وحده من وقعت عليه ، بل يتعاون الجميع على تحملها ، فتذوب الكارثة بتوزيع نتائجها على عدد كبير ، فيسهل حملها بدلاً من أن ينوء بها عائق من تحل به . ونرى من ذلك أن التأمين إذا كان عقداً احتمالياً بالنسبة إلى المؤمن له بالذات ، فهو ليس باحتمالي بالنسبة إلى مجموع المؤمن لهم . بل هو علىالعكس من ذلك عقد وظيفة الأولى استبعاد الاحتمال ونفي نتائج الحظ والمصادفة ، على خلاف عقود المقامرة والرهان .

544 – الوظائف التي يؤديها التأمين :  ونرى من ذلك أن أهم وظيفة يقوم بها التأمين للمؤمن له هي أن تكفل له الأمان ( sécurité )  ، وقد اشتق لفظ التأمين من الأمان . فالمؤمن له من الحريق مثلاً يأمن غوائل ، إذ لو وقع لعوضه المؤمن عن الأضرار التي تلحق به من جرائه . وكذلك المؤمن له من السرقة ، أو من المسئولية ، أو من الموت ، أو من الإصابات . وقد أصبحت الحياة المعاصرة مليئة بالأخطار ، من جراء تقدم الحضارة وما صاحب ذلك نم انتشار الآلات الميكانيكية والسيارات ووسائل النقل البرية والبحرية والجوية والمصانع والعمارات الضخمة وغير ذلك من أسباب الحضارة ، مما جعل الناس يتلمسون في التأمين ملاذاً يقيهم شر الأخطار التي يتعرضون لها من جراء ذلك ، ويبسط عليهم ظلاً من الأمان .

وكما أن التأمين للمؤن له سبب من أسباب الأمان ، كذلك هو وسيلة من وسائل الائتمان ( credit ) . ففي التأمين على الحياة يستطيع المؤمن له ، كما سنرى ، أن برهن وثيقة التأمين لدى الغير ، وأن يعجل له المؤمن مبلغاً على حسابها ( avance sure police ) . ويستطيع المدين الذي قدم رهناً على عقاره أن يوثق هذا الرهن ويقويه بالتأمين على العقار من الحريق ، وكثيراً ما يشترط الدائن المرتهن ذلك على المدين ، حتى إذا احترق العقار انتقل حق الدائن المرتهن إلى مبلغ التأمين ( م 770 مدني ) كما سنرى . وكان المستحق في الوقف ، عندما كان الوقف الأهلي قائماً ، يلجأ إلى التأمين على حياته لصالح دائنه ، حتى إذا مات قبل أن يفي بدينه من استحقاقه في الوقف ، وقد انقطع هذا الاستحقاق بموته ، وجد الدائن في مبلغ التأمين ما يفي بالدين . وقد وجد الدائنون في التأمين في الوقت الحاضر طريقاً مباشراً للائتمان ، فيلجأ الدائن إلى تأمين الدين ، سواء بتأمين كفالة الوفاء به ( assurance-caution ) ، أو بالتأمين من إعسار المدين ( assurance insolvabilité ) وسنعرض لذلك عند الكلام في التأمين على الأشياء .

والتأمين ، فوق هذا وذاك ، بالنسبة إلى المؤمن له ، وسيلة فعالة من وسائل تكوين رؤوس الأموال . فالتأمين على الحياة في أكثر صورة ، ما سنرى ، ليس إلا وسيلة من وسائل الادخار ، يستطيع المؤمن له عن طريقه أن يدخر القليل شيئاً فشيئاً بأقساط التأمين التي يدفعها ، فإذا به عند نهاية التأمين يملك رأس مال يعتد به ، لم يكن يستطيع ادخاره بغير التأمين . فقد كان ، لولا التأمين ، يستهلك هذه المبالغ القليلة المقدار سنة بعد أخرى ، بدلاً من دفعها أقساطاً وإمساكها بذلك عن الإنفاق .

وهذه الوظائف الثلاث المتقدمة الذكر يؤديها التأمين للمؤمن له . ويؤدي وظيفة رابعة ، لا للمؤمن له هذه المرة ، بل للاقتصاد القومي . ذلك أن شركات التأمين تجمع عادة من أقساط التأمين رؤوس أموال ضخمة ، تبلغ في كثير من الأحيان عدداً كبيراً من الملايين(   ) . فهذه الملايين الكثيرة ينتفع بها الاقتصاد القومي انتفاعاً كبيراً ، فكثيراً ما تستثمر في المشروعات العامة وفي سندات القروض التي تطرحها الدولة في الأسواق . وهذا سبب من جملة الأسباب التي تدفع الدولة لبسط رقابتها ، بل وسيطرتها ، على شركات التأمين .

545 – انتشار التأمين – عجالة تاريخية :  ظهرت الحاجة إلى التأمين أول ما ظهرت ، في أوروبا في أواخر القرون الوسطى . فبدأ التأمين البحري في الانتشار منذ أواخر القرن الرابع عشر ، مع انتشار التجارة البحرية بين مدن إيطاليا والبلاد الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط . وكان التأمين إذ ذات مقصوراً على البضائع التي تنقلها السفن ، ولم يمتد إلى التأمين على حياة البحارة والركاب . فالتأمين البحري كان أول أنواع التأمين في الظهور وأعقبه ، بعد مدة طويلة ، التأمين البري ، إذ بدأ ظهور هذا التأمين في انجلترا في خلال القرن السابع عشر . وأول صورة ظهرت منه كانت صورة التأمين من الحريق ، عقب حريق هائل نشب في لندن في سنة 19666 والتهم أكثر من ثلاثة عشر ألف منزل ونحو مائة كنيسة(   ) . وانتشر التأمين من الحريق في خلال القرن الثامن عشر في كثير من البلاد غير إنجلترا ، وبخاصة في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية .

$ 1097 ثم ظهرت صورة جديدة للتأمين ، أهمها التأمين من المسئولية . وكان التأمين من الحريق قبل ذلك يشمل التأمين من مسئولية المستأجر عن الحريق ( risqué locative ) ومسئولية الجار عن الحريق ( recours du voisin ) . وكذلك ظهر ، بانتشار الصناعة والآلات الميكانيكية وتعرض العمال لمخاطرها ، التأمين من حوادث العمل .

أما التأمين على الحياة فقد تأخر في الظهور إلى اقتراب القرن التاسع عشر ،إذ تعرض للهجوم أكثر من غيره من أنواع التأمين الأخرى . ولكنه ما لبث أن تغلب على معارضيه ، وأخذ في الانتشار منذ منتصف القرن التاسع عشر ، وذلك بفضل تحسين الأحوال وبوضع خبراء رياضيات التأمين على الحياة ( actuaries ) لجداول الوفيات ( tables de mortalité ) على أسس رياضية دقيقة .

وظهرت صورة جديدة للتأمين في غضون القرن العشرين ، منها التأمين من السرقة والتبديد ، والتأمين من تلف المزروعات والآلات الميكانيكية ، والتأمين من موت المواشي ، والتأمين من الإصابات ، والتأمين من أخطار الحروب ، والتأمين من حوادث النقل الجوي ، والتأمين من المسئولية عن مزاولة المهنة ( مسئولية الطبيب والجراح ) ، والتأمين من المسئولية ، عن الغير ، والتأمين من استهلاك السندات ( ass . De remboursement d'obligations au pair ) ، وتأمين الدين ( assurance-crédit ) . وكلما اتسع نطاق المسئولية ، كلما اشتدت الحاجة إلى التأمين .

وظهرت أيضاً صور متنوعة من التأمينات الاجتماعية التي تتولاها الدولة دون الشركات الخاصة والنشاط الحر ، كتأمين العمال من إصابات العمل ، وتأمينهم من المرض والعجز والشيخوخة والوفاة . وظهر ، إلى جانب ذلك ، التأمين الإجباري في بعض أنواع التأمين ، كالتأمين الإجباري من إصابات العمل ، والتأمين الإجباري من حوادث السيارات .

وزادت الدولة من تدخلها في التأمين ، وأحكمت الرقابة عليه والسيطرة على شركاته . وبلغت في ذلك حد أن أممت كثيراً من شركات التأمين الهامة كما هو الأمر في فرنسا ، بل إلى حد أن أممت جميع شركات التأمين كما هو الأمر في مصر .

546 – ما يقوم عليه التنظيم الداخلي للتأمين : ويقوم التنظيم الداخلي للتأمين على دعامتين :

( أ ) هيئات التأمين ، وما يتبسط عليها من الرقابة ، ومن يتصل بها من الوسطاء .

( ب ) الضمانات اللازمة لمواجهة هيئات التأمين التزاماتها التأمينية نحو عملائها .

ونستعرض كلا من الأمرين .

 

( 1 ) هيئات التأمين وما ينبسط عليها من الرقابة ومن يتصل بها من الوسطاء

547 – الأسباب التي تدعو لتنظيم هيئات التأمين وبسط الرقابة عليها : رأينا أن التأمين يقوم على أسس فنية دقيقة تنبغي مراعاتها في كثير من الحرص ، وهذا يستوجب أن يتمشى تنظيم هيئات التأمين مع هذه الأسس ، ومن ثم وجب أن تبسط الدولة الرقابة عليها للاستيثاق من مراعاتها لها .

ثم إن جمهور عملاء التأمين لا يعملون من أمور التأمين شيئاً كثيراً ، وهم تحت رحمة شركات التأمين تتقاضى منهم الأقساط المعجلة ، وتدفع لهم التعويضات مؤجلة بعد مدة قد تطول . ومن ثم وجب أن تبسط الدولة رقابتها على شركات التأمين حتى تستوثق من أن هناك ضمانات جدية لمواجهة هذه الشركات لالتزاماتها التأمينية نحو العملاء ، ومن أهم هذه الضمانات تكوين الاحتياطيات الفنية المختلفة ( reserves techniques ) . وليس أقدر من الدولة على بسط رقابة فعالة على تكوين هذه الاحتياطيات .

وهناك أخيراً رؤوس الأموال الضخمة التي تجمعها شركات التأمين ، وهي كما قدمنا تساهم مساهمة جدية في تنشيط الاقتصاد القومي . والدولة هي القوامة على هذا الاقتصاد ، ومن ثم يجتمع إلى السببين المتقدمين هذا السبب الثالث في بسط الدولة لرقابتها على هيئات التأمين .

548 – هيئات التأمين : لما كانت إدارة شؤون التأمين تقتضي في الهيئة التي تقوم بها نظاماً دقيقاً معقداً كما رأينا ، لذلك لا يجوز أن تكون هذه الهيئة شخصاً طبيعياً منفرداً أو عدة أشخاص طبيعيين ولو ألفوا فيما بينهم شركة تضامن أو شركة توصية . بل لا يجوز أن تكون هذه شركة مساهمة ذات مسئولية محدودة . والهيئات التي تزاول التأمين تكون في الغالب شركات مساهمة ، وقد تكون جمعيات تأمينية تبادلية ( sociétés d'assurances mutuelles ) .

وشركات التأمين المساهمة قد نظمتها في مصر تشريعات متعاقبة ، ستعرض لها فيما يلي :

أما جمعيات التأمين التبادلية فهي في الأصل جمعيات تعاونية ( cooperatives ) . يجمع أعضاء الجمعية فيها الأخطار التي يتعرضون لها ، ويلتزمون بتعويض من يتحقق الخطر بالنسبة إليه منهم في سنة معينة من الاشتراك ( cotisation ) الذي يؤديه كل عضو . ومن ثم يكون هذا الاشتراك متغيراً ( variable ) ، يزيد أو ينقص بحسب قيمة التعويضات التي تلتزم الجمعية بأدائها في خلال السنة . ويدفع العضو الاشتراك في البداية مقداراً معيناً ، وفي نهاية السنة تحسب قيمة التعويضات ، فإن كان المقدار الذي دفعه العضو أقل من الواجب لزمه إكماله ( rappel ) ، وإن كان أكثر رد إليه ما زاد ( ristourne ) . ثم جد إلى جانب هذه الجمعيات جمعيات تأمين ذات شكل تبادلي ( sociétés d'assurances à forme mutuelle  ) باشتراكات متغيرة أوثابتة ، ويكون هناك عادة حد أدنى لعدد أعضائها ، ويكون لها مال ( fonds d'établissement ) يقدمه المؤسسون ويحصلون عليه عادة من طريق الاقتراض ، ويقوم مقام رأس المال لشركات التأمين المساهمة . ومن هنا تقترب جمعيات التأمين التبادلية من شركات التأمين المساهمة .

والذي يميز جمعيات التأمين التبادلية ، سواء كانت جمعيات تبادلية أو جمعيات ذات شكل تبادلي ، عن الشركات المساهمة ، أن الأولى لا تعمل للربح ، فليس لها رأس مال ، وليس فيها مساهمون يتقاضون أرباحاً على أسهمهم ويكونون هم المؤمنين ويكون العملاء هم المؤمن لهم . بل إن أعضاء جمعيات التأمين التبادلية يتبادلون التأمين فيما بينهم إذ يؤمن بعضهم بعضاً ، فهم في وقت واحد مؤمنون ومؤمن لهم ، ومن هنا وصفت هذه الجمعيات بأنها "تبادلية" . هذا إلى أن الأصل في الجمعية التبادلية أن تتغير فيها الأقساط سنة عن سنة ، بحسب ما تواجهه الجمعية كل سنة من التزامات نحو أعضائها . ومن ثم تكون الأقساط التي يدفعها الأعضاء اشتراكات متغيرة ( cotisations variables ) ، وإن كان هناك اتجاه واضح في العهود الأخيرة إلى جعل الأقساط اشتراكات ثابتة . أما شركات التأمين المساهمة فإنها تسعى للربح ، ويكون لها رأس مال ، بل إن القانون يصح عادة حداً أدنى لرأس مالها . وأقساط التأمين في الشركات المساهمة تكون دائماً أقساطاً ثابتة ، ولذلك دعيت بالشركات ذات الأقساط الثابتة ( companies à primes fixes ) (   ) .

549 – تنظيم هيئات التأمين في مصر – التشريعات المتعاقبة : ذكرنا فيما تقدم(   ) الأسباب التي تدعو الدولة لتنظيم هيئات التأمين . وفي مصر خضعت هيئات التأمين لتنظيم دقيق . وأول قانون قام بهذا التنظيم هو القانون رقم 92 لسنة 1939 . وقد أخضع هذا القانون للتنظيم الهيئات المصرية والأجنبية التي تزاول عمليات التأمين في مصر ، واستثنى هيئات إعادة التأمين وهيئات التأمين البحري .

ثم صدر القانون رقم 23 لسنة 1957 بقصد تمصير هيئات التأمين ، فنص على أنه "لا يجوز تسجيل أية هيئة تأمين إلا إذا كانت متخذة شكل شركة مساهمة مصرية ، وأن تكون أسهمها جميعاً أمسية ومملوكة لمصريين دائماً ، وألا يقل رأس مال الشركة المدفوع عن خمسين ألف جنيه . ويشترط في أعضاء مجلس إدارة تلك الهيئة والمسئولين عن الإدارة فيها أن يكونوا مصريين" . ثم قضى نفس القانون بأن "يحدد وزير المالية والاقتصاد لهيئات التأمين القائمة وقت العمل بهذا القانون ، والمسجلة طبقاً لأحكام القانون رقم 156 لسنة 1950 ، مهلة لا تجاوز خمس سنوات ، وذلك لاستيفاء أحكام هذا القانون وإلا محي تسجيلها" . وقد منحت هيئات التأمين الأجنبية فعلاً ، بالقرار الوزاري رقم 211 لسنة 1957 ، الصادر في 13 فبراير سنة 1957 ، مهلة سنة واحدة من تاريخ العمل بهذا القرار ، لإجراء عملية تمصيرها . وعلى الهيئة التي ترغب في منحها مدة أكبر أن تقدم طلباً بذلك خلال ثلاثة أشهر إلى مصلحة التأمين ، مشفوعاً بالمبررات التي تدعو إلى ذلك . ونرى من هذا أن الحد الأقصى الذي وضعه القانون لتمصير شركات التأمين هو خمس سنوات ، وقد انتهت في سنة 1962 .

وعندما قامت الوحدة بين مصر وسورية ، صدر القانون رقم 159 لسنة 1959 ملغياً بدوره القانون رقم 156 لسنة 1950 ، وحالا محله . وبعد أن أممت شركات التأمين على النحو الذي سنذكره فيما يلي ، أعدت وزارة الاقتصاد مشروعاً لتعديل هذا القانون لا يختلف كثيراً عن الأصل . وستورد أحكام قانون سنة 1959 حسب التعديلات التي أدخلها مشروع وزارة الاقتصاد .

$1102 ويسري القانون على الهيئات التي تزاول في الجمهورية العربية المتحدة كل أو بعض عمليات التأمين على اختلاف أنواعها(   ) ، وكذلك عمليات إعادة التأمين . وقد نصت المادة 8 منه على أنه "لا يجوز إنشاء أية هيئة لمزاولة أعمال التأمين أو إدراج هذا الغرض ضمن أغراض أية هيئة إلا بعد الحصول على ترخيص في ذلك من وزير الاقتصاد ، وله أن يمنح الترخيص أو يرفضه وفقاً لما يراه ملائماً لحاجة الاقتصاد القومي – ويجب أن تكون الهيئة متخذة شكل شركة مساهمة متمتعة بجنسية الجمهورية العربية المتحدة ، وأن يكون أعضاء مجلس إدارتها والمسئولون عن الإدارة فيها من المتمتعين بجنسية الجمهورية العربية المتحدة- لا يجوز أن يقل رأس مال الهيئة المكتتب فيه عن مائتي ألف جنيه ، ولا أن يقل المدفوع عن مائة ألف جنيه" . وبعد تأميم شركات التأمين ، عدل هذا النص في مشروع وزارة الاقتصاد – وقد أصبح المادة 5 من هذا المشروع – على الوجه الآتي : "لا يجوز إنشاء أية هيئة لمزاولة أعمال التأمين إلا بعد الحصول على ترخيص في ذلك من وزير الاقتصاد ، وله أن يمنح الترخيص أو يرفضه وفقاً لما يراه ملائماً لحاجة الاقتصاد القومي . وتكون الهيئة متخذة شكل شركة مساهمة ، ولا يقل رأس مالها المدفوع عن مائة ألف جنيه" .

ولا يجوز للهيئة المرخص في إنشائها أن تباشر عمليات التأمين ما لم تسجل في السجل المعد لذلك في مصلحة التأمين ، طبقاً للشروط ووفقاً للأوضاع المقررة في القانون وفي لائحته التنفيذية(   ) .

وعلى كل هيئة تباشر عمليات التأمين على الحياة وتكوين الأموال أن تحتفظ في مصر بأموال تعادل قيمتها على الأقل مقدار التزاماتها قبل حملة الوثائق والستفيدين منها ، على ألا تقل هذه الأموال عن عشرة آلاف جنيه بالنسبة إلى كل فرع ، ويجب أن تكون هذه الأموال منفصلة تماماً عن الأموال الخاصة بعمليات التأمين الأخرى ( م 32 من قانون سنة 1959 وم 32 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . وعلى كل هيئة تباشر عمليات التأمين على الأشياء والتأمين من المسئولية أن تحتفظ في مصر بأموال لمواجهة الأخطار السارية تعادل قيمتها على الأقل 25% من جملة الأقساط في السنة السابقة عن عمليات التأمين البحري والجوي ، و47% عن عمليات التأمين الإجباري من المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث السيارات ، و40% من عمليات التأمين الأخرى ، وذلك علاوة على ما يكفي للوفاء بالتعويضات تحت التسديد وتحت التسوية بالنسبة إلى جميع هذه العمليات ، على ألا تقل هذه الأموال عن عشرة آلاف جنيه عن كل فرع من فروع التأمين ( م 33 من قانون سنة 1959 وم 23 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . ويعين وزير الاقتصاد طريقة توظيف المال الواجب وجوده في مصر ، وتودع الأموال النقدية والأوراق المالية في البنوك المسجلة لدى البنك المركزي ( م 34 من قانون سنة 1959 و م 24 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . وقد أضاف مشروع وزارة الاقتصاد ، في المادة 21 منه ، النص الآتي : "يجب أن تكون أصول كل هيئة زائدة باستمرار عن التزاماتها بما لا يقل عن الحد الأدنى لرأس المال المدفوع المقرر في المادة 5" .

وللمستفيدين من وثائق التأمين امتياز يأتي في المرتبة بعد الامتياز المقرر للخدم والكتبة والعمال وكل أجير آخر ، وذلك على الأموال الواجب وجودها في مصر ، وتؤشر الجهة المختصة بالشهر والتوثيق بناء على طلب مصلحة التأمين بهذا الامتياز على هامش كل تسجيل أو قيد خاص بهذه الأموال ، على أن تخطر مصلحة التأمين بكل تأشيرة يتم ( م 35 من قانون سنة 1959 و م 26 من مشروع وزارة الاقتصاد ) (   ) .

550 – الرقابة على هيئات التأمين في مصر :  وقد اقترن تنظيم هيئات التأمين ببسط رقابة دقيقة عليها ، تتولاها سلطة معينة ، طبقاً لأوضاع وإجراءات قررها القانون .

أما السلطة التي تتولى الرقابة ، فهي مصلحة التأمين بوزارة الاقتصاد . وتتولى الإشراف والرقابة على هيئات التأمين ، وتعد تقريراً سنوياً لنشرة عن نشاط التأمين ، وعن تطبيق القانون ، وعن حالة الهيئات الخاضعة له(   ) .

أما أوضاع الرقابة وإجراءاتها فبعضها عام يشمل جميع هيئات التأمين ، وبعضها خاص بهيئات التأمين على الحياة وتكوين الأموال .

فالإجراءات العامة التي تشمل جميع هيئات التأمين تتلخص فيما يأتي : ( 1 ) على هذه الهيئات أن تقدم كل سنة لمصلحة التأمين الميزانية ، وحساب الأرباح والخسائر ، وبيان الإيرادات والمصروفات مشتملاً على احتياطي التعهدات القائمة والاحتياطي الخاص بالتعويضات تحت التسوية ، وبياناً بالأموال الواجب وجودها في مصر . ويرفق بهذه البيانات تقرير عام عن أعمال الهيئة في مصر في تلك السنة ( م41 من قانون سنة 1959 و م 30 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . وتقدم الهيئة ما تطلبه منها مصلحة التأمين من البيانات الإيضاحية ، والإيضاحات اللازمة عن الشكاوى التي تقدم إلى المصلحة من حملة الوثائق أو المستفيدين منها أو غيرهم ، وتقدم لموظفي مصلحة التأمين الذين يتقرر تخويلهم صفة مأموري الضبط القضائي جميع الدفاتر والسجلات والمستندات التي يطلبون الإطلاع عليها للتحقق من تنفيذ أحكام القانون ( م 45 من قانون سنة 1959 و 32 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . ( 2 ) على مراقب حسابات الهيئة(   ) التحقق من أن الميزانية وحساب الأرباح والخسائر وبيان الإيرادات والمصروفات والتعهدات القائمة والاحتياطيات والأموال الموجودة في مصر قد أعدت على الوجه الصحيح ، وأنها تمثل حالة الشركة المالية تمثيلاً صحيحاً م واقع دفاتر الهيئة والبيانات الأخرى التي طلبها ( م 41 من قانون 1959 و م 31 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . ( 3 ) على مصلحة التأمين أن تجري فحص أعمال الهيئة إذا قام لديها من الأسباب ما يحملها على الاعتقاد بأن حقوق حملة الوثائق معرضة للضياع ، أو أن الهيئة أصبحت غري قادرة على الوفاء بالتزاماتها ، أو أنها خالفت أي حكم من أحكام القانون ( م 46 من مشروع وزارة الاقتصاد .

والإجراءات الخاصة بهيئات التأمين على الحياة وتكوين الأموال تتلخص في تقدير هيئة التأمين لتعهداتها القائمة مرة على الأقل كل ثلاث سنوات ، بواسطة خبير في رياضيات التأمين على الحياة من خبراء الجدول . ويجب إجراء هذا التقدير كلما أرادت الهيئة فحص حالتها المالية بقصد تحديد نسب الأرباح التي توزع على حملة الوثائق أو غيرهم ، وكلما أرادت الإعلان عن مركزها المالي . ويجوز لمصلحة التأمين ،  إذا رأت ضرورة لذلك ، أن تطلب إجراء هذا التقدير في أي وقت قبل مضي الثلاث سنوات ، بشرط أن يكون قد انقضت سنة على الأقل من تاريخ آخر فحص . وفي جميع الأحوال ترسل صورة من تقرير الخبير إلى مصلحة التأمين خلال ستة أشهر من التاريخ الذي أجري عنه الفحص ، ويجوز إعطاء مهلة إضافية لا تجاوز ثلاثة أشهر أخرى ( م50 من قانون 1959 و م 37 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . وإذا تبين لمصلحة التأمين أن تقرير الخبير لا يدل على حقيقة الحالة المالية للهيئة بسبب اتباع أسس خاطئة في التقدير لا يبررها الواقع ، جاز لها أن تأمر بإعادة الفحص على نفقة الهيئة بواسطة خبير آخر من خبراء الجدول تختاره المصلحة ( م 51 من قانون 1959 و م 38 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . ويجوز عند الاقتضاء ، بقرار من وزير الاقتصاد ، منع الهيئة من تصفية الوثائق أو من تعجيل مبالغ على حسابها ، وذلك لمدة لا تجاوز ثلاث سنوات ( م52 من قانون 1959 و م 39 من مشروع وزارة الاقتصاد ) (   ) .             

551 – تأميم شركات التأمين في مصر :  وبعد نحو سنتين من صدور القانون رقم 159 لسنة 1959 في 2 سبتمبر سنة 1959 ، صدر في 20 يوليه سنة 1961 القانون رقم 117 لسنة 1961 بتأميم شركات التأمين والبنوك وبعض الشركات والمنشآت الأخرى . وقد نصت المادة الأولى من هذا القانون على ما يأتي : "تؤمم جميع البنوك وشركات التأمين في إقليمي الجمهورية ، كما تؤمم الشركات والمنشآت المبينة في الجدول المرافق لهذا القانون ، وتول ملكيتها إلى الدولة" . ونصت المادة الثانية على أن "تتحول أسهم الشركات ورؤوس أموال المنشآت المشار غليها إلى سندات أسمية على الدولة لمدة خمس عشرة سنة بفائدة 4% سنوياً ، وتكون السندات قابلة للتداول في البورصة ، ويجوز للحكومة بعد عشر سنوات أن تستهلك هذه السندات كلياً أو جزئياً بالقيمة الأسمية بطريق الاقتراع في جلسة علنية ، وفي حالة الاستهلاك الجزئي يعلن عن ذلك في الجريدة الرسمية قبل الموعد المحدد له بشهرين علىالأقل" . 

ونرى من ذلك أن جميع شركات التأمين في مصر قد أممت ، وآلت ملكيتها إلى الدولة ، وتحولت أسهمها إلى سندات اسمية على الدولة لمدة خمس عشرة سنة بفائدة 4% . ويجوز استهلاك هذه السندات كلياً أو جزئياً ، بالقيمة الاسمية ، بعد عشر سنوات(   ) .

$ 1109 أما من حيث الشكل القانوني لشركات التأمين بعد التأميم ، فإنه يبقى كما كان قبل التأميم ، وتستمر هذه الشركات تزاول نشاطها كما كانت تفعل من قبل . وقد نصت المادة 4 من القانون رقم 117 لسنة1961 في هذا الصدد على أن "تظل الشركات والبنوك المشار إليها في المادة الأولى محتفظة بشكلها القانوني عند صدور هذا القانون ، وتستمر الشركات والبنوك والمنشآت المشار إليها في مزاولة نشاطها ، دون أن تسأل الدولة عن التزاماتها السابقة إلا في حدود ما آل إليها من أموالها وحقوقها في تاريخ التأميم . ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية إدماج أي شركة أو بنك أو منشأة منها في شركة أو بنك أو منشأة أخرى" .

وأما من حيث إدارة شركات التأمين بعد التأميم ، فإن شأن هذه الشركات في ذلك شأن سائر الشركات المؤممة وشأن الشركات بوجه عام(   ) .

$ 1110 ولما كانت المادة 5 من القانون رقم 117 لسنة 1961 قد نصت على أن "يصدر رئيس الجمهورية قراراً بتحديد الجهة الإدارية المختصة بالإشراف على كل شركة أو منشأة من الشركات أو المنشآت المشار إليها" ،  فقد أنشئت مؤسسة عامة هي "المؤسسة المصرية العامة للتأمين" ، تتبعها جميع شركات التأمين المؤممة ، وتتبعها أيضاً "الشركة المصرية لإعادة التأمين" . وصدر قرار رئيس الجمهورية رقم 970 لسنة 1962 يقضي باعتبار " المؤسسة المصرية العامة للتأمين" مؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي . وصدر القانون رقم 36 لسنة 1962 يقضي بتخويل مجالس إدارة المؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي ، بالنسبة إلى الشركات التي تتبعها ، سلطات الجمعيةالعمومية ، وخاصة فيما يتعلق باعتماد الميزانية وحساب الأرباح والخسائر وتعديل نظم الشركات المساهمة  ، وذلك حتى 31 ديسمبر سنة 1962 . ويكون لمجلس إدارة كل مؤسسة من هذه المؤسسات ، حتى التاريخ المشار إليه ، سلطة إدماج شركتين أو منشأتين أو أكثر من الشركات أوالمنشآت التابعة لها ، وكذا سلطة تحويل أية شركة أو منشأة ولو كانت فردية إلى شركة مساهمة وتعديل رأس مالها . وتكون رياسة جلسات مجالس إدارة هذه المؤسسات ، عند مباشرتها الاختصاصات المتقدمة وغيرها من سلطات الجمعية العمومية أو جماعة الشركاء ، للوزير المشرف على المؤسسة(   ) . ثم صدر القانون رقم 26 لسنة 1963 يقضي باستمرار العمل بالقانون السابق حتى 31 ديسمبر سنة 1964 . ويخلص من هذه التشريعات المتعاقبة أن مجلس إدارة المؤسسة المصرية العامة للتأمين هو الذي يباشر ، حتى يوم 31 ديسمبر سنة 1964 ، سلطات الجمعية العمومية لأية شركة من شركات التأمين المؤممة(   ) .

553 – وسطاء التأمين : لما كانت هيئات التأمين تتعامل مع الجمهور ومنه تستمد عملاءها ، وذلك عن طريق تبصير الناس بحقيقة عملية التأمين وما يترتب عليها من نفع ، فإن الضرورة قد دعت إلى وجود طائفة من الوسطاء بينها وبين الجمهور؛ وهؤلاء هم الذين يسميهم القانون رقم 195 لسنة 1959 ، ومن بعده مشروع وزارة الاقتصاد ، بالوكلاء والمندوبين والسماسرة . والعقد الذي يربط هؤلاء بشركة التأمين هو مزيج من عقد وكالة وعقد عمل وعقد مقاولة ، بحسب ما تتسع له سلطاتهم وهل تشمل إبرام عقود التأمين نيابة عن الشركة فيدخل في العقد عنصر الوكالة ، وبحسب ما يكون الوسيط مستقلاً عن رقابة الشركة وتوجيهها فيدخل في العقد عنصر المقاولة ، أو يكون خاضعاً لهذه الرقابة وهذا التوجيه فيدخل عنصر عقد العمل(   ) . وسنتناول هذه السلطات عند الكلام في إبرام عقد التأمين(   ) .

ونكتي هنا بذكر الأحكام الواردة في القانون رقم 195 لسنة 1959 متعلقة بتنظيم هؤلاء الوسطاء ، بعد تعديلها بمشروع وزار ة الاقتصاد . فقد جاء في المادة 21 من هذا القانون ( م 15 من مشروع وزارة الاقتصاد ) أنه "يقصد بالوكيل والمندوب والسمسار كل من يتوسط في عقد عمليات تأمين لحساب هيئة تأمين مسجلة ، وذلك نظير مرتب أو مكافأة أو عمولة . ولا يجوز لهؤلاء الأشخاص أن يزاولوا عملهم ما لم تكن أسماؤهم مقيدة ، بناء على طلبهم ، في سجل يعد لهذا الغرض بمصلحة التأمين . وتعطي مصلحة التأمين لهؤلاء الأشخاص شهادة بذلك . ويكون للقيد أثره مدة ثلاث سنوات ، ويجب تجديده" . وقد أوردت المادة 23 من نفس القانون ( م 17 من مشروع وزارة الاقتصاد ) الشروط الواجب توافرها في الوسيط حتى يجوز تقييد اسمه في السجل ، وهذه هي : ( 1 ) ألا تقل سنة عن 21 سنة ميلادية . ( 2 ) أن يكون ملماً باللغة العربية وبمادئ التأمين . ( 3 ) ألا يكون قد حكم عليه لجناية أو تزوير أو سرقة أو خيانة أمانة أو نصب أو شروع في ارتكاب إحدى هذه الجرائم ، أو يكون محجوراً عليه أو حكم بإفلاسه ما لم يرد إليه اعتباره(   ) .

ولا يجوز لهيئات التأمين أن تستخدم وكلاء أو مندوبين أو سماسرة غير مقيدين في السجل ، وعلى هذه الهيئات أن تمسك سجلاً خاصاً تثبت فيه اسم وعنوان كل وكيل أو مندوب أو سمسار يتوسط في عقد عمليات التأمين لحسابها ( م 24 من قانون سنة 1959 وم 18 من مشروع وزارة الاقتصاد ) . وتنص المادة 61 من قانون سنة 1959 ( م 59 من مشروع وزارة الاقتصاد ) على أن "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز الشهر وبغرامة نقدية لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تتجاوز مائة جنيه كل وكيل أو مندوب أو سمسار أو أي شخص آخر يباشر عمليات تأمين لحساب هيئات مسجلة وفق أحكام هذا القانون دون أن يكون مقيداً في السجل" . وتنص الفقرة الرابعة من نفس المادة على أن "تضاعف العقوبات المنصوص عليها في الفقرات السابقة في حالة التكرار(   ) .

( ب ) ضمانات لمواجهة هيئات التأمين التزاماتها التأمينية نحو عملائها

553 – ضمانان رئيسيان : قرر القانون ضمانات لعملاء التأمين ، حتى يتمكنوا من الحصول على حقوقهم قبل هيئات التأمين . وعلى رأس هذه الضمانات الضمانان الآتيان نستعرضهما على التعاقب : ( أولاً ) الاحتياطيات المختلفة . ( ثانياً ) إعادة التأمين(   ) .

554 – ( أولاً ) الاحتياطيات المختلفة : لما كان ينبغي أن يكون عند هيئة التأمين في كل وقت أصول ( actif ) تفي قيمتها بما عليها من التزامات نحو عملائها ، لذلك كان من الواجب أن يكون عندها طائفة من الاحتياطيات تسمى بالاحتياطيات الفنية ( reserves techniques ) الغرض منها مواجهة هذه الالتزامات . وهذه الاحتياطيات تواجه التزامات خاصة في ذمة هيئة التأمين لعملائها ، أريد ضمانها على نحو خاص ، ولذلك سميت هذه الالتزامات بالتعهدات المنظمة ( engagements réglementés ) .

وأهم هذه الاحتياطيات الفنية أربعة ، يجب أن تكون ممثلة برؤوس أموال عند هيئة التأمين حتى تتمكن من مواجهة الالتزامات المقابلة ، وهذه هي :

( 1 ) الاحتياطي الحسابي ( reserve mathématique ) : ولإعطاء فكرة عن هذا الاحتياطي نذكر أنه في التأمين على الأشخاص ، وبخاصة في التأمين على الحياة ، يدفع المؤمن له القسط السنوي ويتكون من عناصر ثلاثة : ( ا ) عنصر يواجه خطر وفاة المؤمن له في أي وقت . ( ب ) ولما كان خطر الوفاة يتزايد تدريجياً فهو أكبر في السنوات الأخيرة منه في السنوات الأولى ، فقد كان الواجب أن يكون القسط الذي يدفع في سنة يزيد على القسط الذي دفع في السنة التي قبلها . ولكن الأقساط كلها متساوية ، لذلك يجب أن يخصم من أقساط السنوات الأولى احتياطي يضاف إلى أقساط السنوات الأخيرة حتى يكون كل قسط مماثلاً للخطر في السنة التي دفع فيها ، وهذا الاحتياطي هو العنصر الثاني . ( ج ) والعنصر الثالث هو الجزء من القسط المخصص للادخار ، فالتأمين على الحياة ينطوي على إدخار لتكوين المال الذي تدفعه الشركة عند نهاية العقد للمؤن له أو للمستفيد .

ويكون لكل مؤمن له احتياطي حسابي ، يستخلص من هذه العناصر وفقاً لجداول الوفيات ( tables des mortalité ) وطبقاً لقواعد رياضيات التأمين على الحياة التي يطبقها الخبراء ( actuaries ) .

احتياطي تكوين رأس المال ( reserve de capitalization ) : ولإعطاء فكرة عن هذا الاحتياطي نفرض أن شركة التأمين تملك 1000 سند اشترتها بمبلغ 4000 جنيه كجزء من احتياطيها الحسابي . فإذا كانت تستطيع أن تبيع هذه السندات بمبلغ 4500 ، ولكن يجب أن تخصص منه مبلغ 4200 جنيه للحصول على أرباح تساوي الأرباح التي كانت تجنيها من هذه السندات ، فهي إذن لا تستطيع أن تعتبر الفرق بين مبلغ 4500 جنيه قيمة البيع 4000 جنيه قيمة الشراء – أي 500 جنيه- ربحاً صافياً تستطيع التصرف فيه . بل يجب أن تجنب من هذا الربح الصافي مبلغ 200 جنيه ، وهو المبلغ الذي يجب أن تضيفه إلى مبلغ 4000 جنيه قيمة الشراء حتى تستطيع الحصول على نفس الأرباح التي كانت تحصل عليها من قبل .

فيكون مبلغ الـ200 جنيه هذا ، في حالة ما إذا باعت السندات ، هو احتياطي رأس المال .

( 3 ) احتياطي الأقساط المدفوعة مقدماً ( reserve pour risques en cours ) : ولإعطاء فكرة عن هذا الاحتياطي نفرض أن مؤمناً له دفع القسط في أول مارس سنة 1964 ، فيكون ميعاد دفع القسط التالي هو أول مارس سنة 1965 . فإذا فرضنا أن ميزانية شركة التأمين تبدأ من أول يوليه وتنتهي في آخر يونيه م السنة التالية ، فمن الواضح أن القسط المدفوع كان ينبغي أن يدرج بعضه في ميزانية سنة 1963-1964 ( من أول مارس سنة 1964 إلى آخر يونيه سنة 1964 ) ، وبعضه في ميزانية سنة 1964-1965 ( من أول يوليه سنة 1964 إلى آخر فبراير سنة 1965 ) . ولكن الشركة تدرجه كله في الميزانية الجارية أي في ميزانية سنة 1963-1964 . فيجب أن يخصم منه ما يقابل شهور ميزانية سنة 1964-1965 ، وهي ثمانية أشهر من أول ويوليه سنة 1964 لغاية آخر فبراير سنة 1965 ( أي ثلثي القسط ) ، وتضعه في خصوم الميزانية الجارية ( سنة 1963-1964 ) حتى تمثل هذه الميزانية تمثيلاً صحيحاً نصيبها الحقيقي من القسط .

فالمقدار الذي تخصمه الشركة من الأقساط المدفوعة في ميزانية سنة معينة ، لترحله إلى ميزانية السنة التالية ، هو ما يسمى باحتياطي الأقساط المدفوعة مقدماً(   ) .

( 4 ) احتياطي الحوادث التي لم تتم تسويتها ( reserve pour sinistres restant à payer ) : ولإعطاء فكرة عن هذا الاحتياطي نذكر أن طائفة من الحوادث المؤمن عليا تقع فعلاً من خلال السنة ، وبعض هذه الحوادث – وهو أقل من النصف عادة – هو الذي يبت في شأنه ، فتتقرر مسئولية الشركة عنه ، ويقدر مبلغ التعويض الواجب دفعه ، ويتم الدفع فعلاً . أما أكثر هذا الحوادث فيبقى دون أن يبت في مسئولية الشركة عنه ، أو يبت في مسئوليتها ولكن مبلغ التعويض يبقى دون تقدير ، أو يقدر مبلغ التعويض ولكنه لا يدفع . هذه الحوادث التي لم تتم تسويتها ، يجب أن يكون لها احتياطي لمواجهتها في السنين المقبلة .

وهذا هو احتياطي الحوادث التي لم تتم تسويتها . وبحسب هذا الاحتياطي عادة عن كل حادثة لم تتم تسويتها ، فيقدر مبلغ التعويض عن هذه الحادثة طبقاً لظروفها الموضوعية والشروط وثيقة التأمين . وإذا كانت الحادثة قد قدر مبلغ التعويض عنها بحكم أو باتفاق ، حسب هذا المبلغ المقدر . ويعاد تقدير الحوادث التي لم تتم تسويتها عن السنين السابقة على أساس السنة الجارية لجواز أن تكون الظروف قد تغيرت ، وتضاف نسبة مئوية لمصروفات الإدارة والتسوية ، فيتجمع كل ذلك احتياطي الحوادث التي لم تتم تسويتها .

هذه هي أهم الاحتياطات الفنية(   ) . وهذه الاحتياطيات وغيرها من الاحتياطيات الإجبارية لا يكفي أن تدرج في خصوم ميزانية شرك التأمين ، بل يجب أن تتمثل في قيم مالية تملكها الشركة . وأهم هذه القيم سندات القروض التي تصدرها الدولة وغيرها من أشخاص القانون العام أو تضمنها ، وقروض تعطيها الشركة للأفراد(   ) على أن تكون مضمونة برهون رسمية من الدرجة الأولى ، وعقارات مبنية تشتريها الشركة لتستغلها وتسدد من ريعها ما يترتب في ذمتها من التزامات . ويلاحظ في هذه القيم المالية أن تكون قيما موثوقاً بها حتى لا تتعرض احتياطيات الشركة للضياع ، وأن يكون بعضها من السيولة بحيث تستطيع الشركة أن تحصل على النقود اللازمة لمواجهة التزاماتها في أقرب وقت ، وذلك إلى جانب توظيف هذه الأموال أو بعضها في سندات وأوراق مالية للدولة وغيرها من أشخاص القانون العام خدمة للاقتصاد القومي .

ونرى من ذلك الدور الكبير الذي تلعبه احتياطيات شركات التأمين في ضمان التزاماتها التأمينية ، وكيف أن هذا الضمان ، وهو أهم شيء تجب مراعاته في التأمين إذ عليه يتوقف نجاح هذا النظام ، قد جعل من عملية التأمين أمراً فنياً معقداً لا تمارسه إلا شركات كبيرة ، تجمع إلى رؤوس الأموال الضخمة الخبرة الفنية والكفاية المالية والنزاهة وحسن المعاملة .

عل أن الاحتياطيات قد لا تكفي وحدها لمواجهة جميع التزامات شركات التأمين ، وعندئذ تلجأ هذه الشركات إلى إعادة التأمين ، وهذا ما ننتقل الآن إليه .

555 – إعادة التأمين ( Réassurance ) – فكرة عامة : تقوم عملية التأمين ، كما قدمنا ، على تقدير الاحتمالات طبقاً لقوانين الإحصاء وعلى قانون الكثرة(   ) . وشركة التأمين تعمل كل ما في وسعها حتى يأتي حسابها مضبوطاً . فإذا قدرت ، في التأمين من الحريق مثلاً ، أن في كل ألف خطر تؤمن منها يتحقق ثلاثة أخطار ، أي تقع ثلاث كوارث فتحترق ثلاثة منازل يبلغ مقدار التعويض فيها ثلاثين ألف جنيه ، وجب أن يكون مقدار القسط الصافي ثلاثين جنيهاً حتى تحصل الشركة من الألف المؤمن لهم على ثلاثين ألف جنيه تغطي الكوارث المقدرة . وتكوّن الشركة احتياطيات لمواجهة هذه الالتزامات على النحو الذي بسطناه فيما تقدم . ولكن الشركة لا تستطيع أن تطمئن إلى هذا التقدير اطمئناناً كاملاً في مواجهة التزاماتها ، ويجب عليها أن تدخل في حسابها أن هذا التقدير إنما هو تقدير تقريبي قد يخطئ . وهذا الخطأ يقل كلما كثر عدد المؤمن لهم طبقاً لقانون الكثرة ، كما قدمنا . ولكن احتمال الخطأ مهما قل يبقى قائماً ، فقد تحترق أربعة منازل ويكون التعويض الواجب دفعه أربعين ألفاً بدلاً من ثلاثين ألفاً ، بل قد يحترق منزلان فقط ولكن التعويض عنهما يبلغ خمسين ألفاً بدلاً من ثلاثين ألفاً ، بل قد يحترق منزلان فقط ولكن التعويض عنهما يبلغ خمسين ألفاً بدلاً من ثلاثين ألفاً . فيجب على الشركة إذن أن تواجه احتمال الخطأ هذا وما ينجم عنه من فروق ( écarts ) في الحساب ، حتى تطمئن اطمئناناً معقولاً إلى قدرتها على مواجهة التزاماتها للمؤمن لهم ، وحتى يطمئن هؤلاء هم أيضاً إلى ملاءة الشركة وإلى أن حقوقهم في ذمتها مكفولة .

والوسيلة التي تلجأ الشركة إليها لتحقيق هذا الغرض هي إعادة التأمين(   ) . وفي المثل الذي قدمناه تبلغ "طاقة" الشركة في مواجهة التزاماتها ثلاثين ألفاً ، وقد رأينا أن هناك احتمالاً ولو بعيداً أن تبلغ التزاماتها أربعين ألفاً أو خمسين ألفاً . فتلجأ إلى شركة من شركات إعادة التأمين لتؤمن نفسها من هذا الاحتمال ، وتتفق مع هذه الشركة على إعادة التأمين في حدود عشرة آلاف أو عشرين ألفاً ، وبذلك تطمئن ويطمئن معها المؤمن لهم إلى قدرتها على مواجهة هذا الاحتمال إذا تحقق . فعقد إعادة التأمين هو إذن عقد بين المؤمن المباشرة ( asureur direct )  والمؤمن المعيد ( réassureur ) بموجبه يحول الأول للثاني جزءاً من المخاطر التي يتحملها في نظير مقابل معين ، مع بقاء المؤمن هو المدين وحده للمؤمن لهم(   ) . وإذا كان الغالب هو أن يحول المؤمن للمؤمن المعيد جزءًا من المخاطر ، فليس هناك ما يمنع من أن يحول له كل المخاطر مع بقائه مؤمناً بالنسبة إلى المؤمن لهم(   ) .

$1122 والحيطة الواجبة هي التي تملي على المؤمن أن يعيد التأمين على الوجه الذي قدمناه ، وبخاصة في التأمين من الأضرار . وقد يتدخل القانون فيلزم المؤمن بإعادة التأمين ، كما فعل القانون رقم 195 لسنة 1959 إذ ألزم هيئات التأمين بأن تعيد التأمين على جزء من عمليات التأمين المباشر على أساس نسبة معينة وطبقاً لتعريفات محددة ، وذلك في التأمين من الأضرار دون التأمين على الأشخاص(   ) . وإعادة التأمين الإجبارية ، إذ جرت العادة على أن تكون إعادة التأمين إما إعادة اختيارية ( reassurance facultative ) أو إعادة إجبارية ( reassurance obigatoire ) . ففي إعادة التأمين الاختيارية ، وهي منتشرة بوجه خاص في التأمين البحري ، يتفق المؤمن مع المؤمن المعيد على إعادة التأمين بالنسبة إلى وثيقة تأمين معينة بالذات ، بشروط يتفق عليها بين الطرفين . وتكون إعادة التأمين هنا اختيارية لأن المؤمن لا يجبر عليها بل يبرمها باختياره ،  وكذلك المؤمن المعيد لا يكون ملزماً بقبولها بل هو حر في القبول أو الرفض . ولكن الذي يقع غالباً أن المؤمن لا يتفق مع المؤمن المعيد على إعادة التامين بالنسبة إلى نوع من الوثائق ، كوثائق التأمين من الحريق أو التأمين على الحياة أو التأمين من المسئولية ، عقدها أو سيعقدها في المستقبل . فالوثائق المعاد التأمين عليها ليست معينة بالذات بل بالنوع ، وليست كلها موجودة بل بعضها موجود في الحال وبعضها سيوجد في المستقبل . فيقال إن إعادة التأمين هنا إجبارية ، لا بمعنى أن القانون هو الذي يلزم بإعادة التأمين كما رأينا في المعنى الأول ، بل بمعنى أن الاتفاق السابق المبرم بين المؤمن والمؤمن المعيد هو الذي يجبر كلا من الطرفين على إعادة التأمين بالنسبة إلى نوع معين من أنواع عمليات التأمين . ومتى عقد المؤمن ، بعد إبرام هذا الاتفاق العام مع المؤمن المعيد ، وثيقة تأمين تدخل في هذا النوع المتفق عليه ، فإن هذه الوثيقة تعتبر تلقائياً ( automatiquement ) قد أعيد تأمينها وفقاً للشروط المدونة في الاتفاق العامة ( traité ) لإعادة التأمين . وبهذا المعنى الخاص تكون إعادة التأمين إجبارية ، وإلا فإنها في الواقع من الأمر اختيارية إذ سبقها اتفاق عام تم بالتراضي بين المؤمن والمؤمن المعيد .

ولما كان المؤمن المعيد يعتبر مؤمناً بالنسبة إلى المؤمن المباشر ، فإنه قد يرى نفسه في حاجة إلى إعادة التأمين بدوره عند مؤمن معيد ثان ، وذلك بأن يحدد طاقته في إعادة التأمين ، وفيما جاوز هذه الطاقة يعيد إعادة التأمين ، وهذا ما يسمى بإعادة التأمين من جانب المؤمن المعيد ( retrocession ) . فإعادة التأمين من جانب المؤمن المعيد تكون إذن عقداً بين المؤمن المعيد الأول والمؤمن المعيد الثاني بموجبه يحول الأول للثاني جزءاً من المخاطر التي تحمل إعادة تأمينها ، وذلك في نظير مقابل معين . وتتفق إعادة التأمين من جانب المؤمن المعيد مع إعادة التأمين في الطبيعة والتكوين والآثار ، فهي ليست إلا إعادة تأمين في الدرجة الثانية(   ) . غير أن إعادة التأمين من جانب المؤمن المعيد تكون عادة في صورة إعادة تأمين بالمحاصة ، وهي صورة من الصور الأربع الرئيسية لإعادة التأمين التي ننتقل الآن إليها .

556 – الصور الأربع الرئيسية لإعادة التأمين : وندع جانباً إعادة التأمين من جانب المؤمن المعيد ، ونقتصر على إعادة التأمين (   ) ، فهي العملية الأساسية ، وتقوم عليها عملية إعادة التأمين صوراً متنوعة ، أهمها صور أربع :

الصورة الأولى – إعادة التأمين بالمحاصرة ( reassurance en participaton ou en quote-part ) (   ) : وفي هذه الصورة يشترك المؤمن المعيد من المؤمن بالمحاصة في جميع عمليات التأمين التي يقوم بها هذا الأخير في أو في مجمع العمليات الخاصة بنوع من أنواع التأمينالتي يباشرها ، بالنصف أو بالثلث أو بالربع أو بأية نسبة أخرى ، ولذلك سميت إعادة التأمين بالمحاصة . مثل ذلك أن يتفق المؤمن مع المؤمن المعيد على أن يشترك هذا الأخير معه في جميع وثائق التأمين التي يعقدها متعلقة بنوع معين ، بنسبة الربع مثلاً في كل منها . فإذا عقد المؤمن وثيقة تأمين مبلغ التأمين فيها ألفان ومقدار القسط عشرون ، كان للمؤمن المعيد في هذه الوثيقة الربع ، فيكون نصيبه في القسط خمسة يتقاضاها من المؤبمن ، ويكون نصيبه من مبلغ التأمين خمسمائة يدفعها للمؤمن إذا وقعت الكارثة/ ومعنى ذلك أن يكون المؤمن المعيد شريكاً للمؤمن في جميع عمليات التأمين التي يعقدها متعلقة بهذا النوع من التأمين ، سواء ما كان منها كبير القيمة لا يستطيع المؤمن وحده أن يتحمل مخاطره فتكون مشاركة المؤمن المعيد له نافعة ، أوكان محدود القيمة يستطيع وحده أن يتحمل مخاطره دون مشقة فتكون مشاركة المؤمن المعيد له غير ذات نفع بل فيها خسارة عليه إذ يشاركه في الأقساط . ولذلك ليست هذه الصورة هي الصورة المناسبة للغرض من إعادة التأمين ، ولا هي في مصلحة المؤمن .

وتمارس عادة عندما يكون حجم عمليات المؤمن غير كبير فلا يقبل المؤمن المعيد إلا أن يشاركه فيها جميعاً ، أو عندما يكون المؤمن قليل الخبرة فينتفع بخبرة المؤمن المعيد في جميع عمليات التأمين التي يعقدها أو في مجموع العمليات الخاصة بنوع معين من التأمين كما يجد إلى جانبه شريكا قوياً يساهم معه في الخسارة ، أو عندما تكون العمليات التي يعقدها المؤمن كلها ذات قيمة كبيرة فتكون المحاصة مجدية فيها جميعاً . وتمارس هذه الصورة أيضاً في إعادة التأمين من جاب المؤمن المعيد كما سبق القول(   ) ، كما تمارس في تجميع المؤمنين للمخاطر المؤمن منها في صيد مشترك ( convention pool ) فيعاد التوزيع عليهم بنسبة معينة(   ) .

الصورة الثانية – إعادة التأمين فيما جاوز حد الطاقة ( reassurance en excédent de risqué, ou en excédent de plein ) : وهذه الصورة تعالج العيب الجوهري الموجود في الصورة الأولى ، ولذلك كانت أوسع الصور الأربعة انتشاراً . فالمؤمن لا يعيد التأمين في جميع وثائق التأمين التي  يعقدها حتى بالنسبة إلى نوع معين ، بل يستقل بالعمليات التي يستطيع تحمل مخاطرها دون مشقة ، أي العمليات التي لا تزيد على طاقته ( son plein ) فلا يعيد التأمين فيها . وما جاوز هذه الطاقة من العمليات يعيد فيه التأمين في حدود القدر الذي جاوزت به العملية الطاقة ، وفي هذه الحدود فقط . مثل ذلك أن يعقد المؤمن مائة عملية قيمة كل منها ألف فتكون قيمتها جميعاً مائة ألف ، ومائة عملية أخرى قيمة كل منها ألفان فتكون قيمتها جميعاً مائتي ألف . ونفرض أن مجموع الأقساط التي يتقاضاها منا لعمليات الأولىألف ، ومجموع الأقساط التي يتقاضاها من العمليات الأخرى ألفان ، فيكونمجموع ما يتقاضاه من الأقساط هو ثلاثة آلاف ، أي أن طاقته تتسع لتعويض الكوارث الثلاث إذا وقعت جميعاً في العمليات التي تبلغ قيمة كل منها ألفاً . أما إذا وقعت الكوارث الثلاث جميعاً في العمليات التي تبلغ قيمة كل منها ألفين ، فإنه يكون مضطراً لأن يدفع تعويضاً قيمته ستة آلاف أي ضعف ما قبضه من الأقساط وهذا فوق طاقته .فيعمد في هذه الحالة إلى أن يعيد التأمين فيما جاوز حد طاقته من هذه العمليات ( excédent de plein ) ، أي فيما جاوز من هذه العمليات ألفاً وبمقدار هذه المجاوزة . فيعيد التأمين في العمليات التي تبلغ قيمة كل منها ألفين ، وبمقدار ألف في كل منها وهو المقدار الذي جاوزت به العملية حد طاقته أي الألف الأولى . فإذا وقعت الكوارث الثلاث في هذه العمليات ، استطاع أن يؤدي مبلغ التعويض في حدود ألف لكل منها ، فيؤدي ثلاثة آلاف ولا يجاوز هذا حد طاقته . وأما ما زاد على الألف فقد أعادة التأمين فيه ، ويتحمل عبئه المؤمن المعيد .

وأكثر ما تمارس هذه الصورة في التأمين من الحريق ، وفي التأمين الفرد يمن الإصابات ،وفي التأمين من المسئولية ، وفي التأمين البحري .

الصورة الثالثة – إعادة التأمين فيما جاوز حداً معيناً من الكوارث ( reassurance en excédent de sinistres : excess loss ) : وفي هذه الصورة لا يعيد المؤمن التأمين فيما جاوز حدود طاقة معينة يحددها بحيث تكون واحدة لجميع وثائق التأمين التي شملتها إعادة التأمين كما رأينا في الصورة السابقة ، بل هو يعيد التأمين ، بالنسبة إلى كل وثيقة ، فيما يجاوز حداً معيناً من التعويض الفعلي الذي يدفعه إذا تحققت الكارثة . ويسمى هذا الحد المعين بالجزء الواجب الدفع أولاً ( priorité ) .

وأكثر ما يكون ذلك في التأمين من المسئولية ، فيضع المؤمن حداً معيناً ( priorité ) لكل وثيقة ، فإذا تحققت الكارثة في وثيقة معينة ، أي تحققت مسئولية المؤمن له ورجع على المؤمن بمبلغ التعويض الذي دفعه للمضرور ، فإذا كان هذا المبلغ لا يجاوز الحد المعين لهذه الوثيقة تحمله المؤمن كله ، أما إذا زاد فإن المؤمن يتحمل الحد المعين ويتحمل المؤمن المعيد الزيادة(   ) . وقد يكون الحد المعين الذي يتحمله المؤمن هو نسبة مئوية من مبلغ التأمين ، 75% مثلاً ، فإذا كان مبلغ التأمين ألفاً وتحققت الكارثة ,أصبح المؤمن مسئولاً قبل المؤمن له عن ستمائة أو أكثر إلى سبعمائة وخمسين ، لم يرجع بشيء على المؤمن المعيد له عن ستمائة أو أكثر إلى سبعمائة وخمسين ، لم يرجع بشيء على المؤمن المعيد وتحمل المبلغ كله لأنه لم يجاوز75% من مبلغ التعويض . أما إذا أصبح مسئولاً عن ثمانمائة وأو تسعمائة أو ألف ، فإنه يتحمل من هذا المبلغ سبعمائة وخمسين ويرجع على المؤمن المعيد بخمسين أو بمائة وخمسين أو بمائتين وخمسين على حسب الأحوال(   ) .

$ 1128 وقد يقسم المؤمن عملياته إلى مجموعات يعين لكل مجموعة منها حداً معيناً ( priorité ) يتحمله ، وما يزيد على هذا الحد يتحمله المؤمن المعيد . مثل ذلك في التأمين من الحريق يقسم المؤمن الوثائق إلى مجموعتين ، مجموعة تقع أمكنها المؤمن عليها في حي يشتد فيه خطر الحريق ويعين لها حداً أقصى مائة ألف مثلاً ، ومجموعة أخرى تقع أمكنتها المؤمن عليها في حي يكون خطر الحريق فيه خطراً مألوفاً ويعين لها حداً أقصى خمسين ألفاً مثلاً . فإذا بلغت التعويضات في المجموعة الثانية عشرة آلاف مثلاً أو أكثر إلى خمسين ألفاً ، تحمل المؤمن هذه التعويضات كلها لأنها لا تجاوز الحد المعين ، ولا يرجع بشيء على المؤمن المعيد . أما إذا زادت التعويضات في المجموعة الأولى على مائة ألف ، أو في المجموعة الثانية على خمسين ألفاً ، فإنه يرجع على المؤمن المعيد بمقدار الزيادة في كل من المجموعتين .

الصورة الرابعة – إعادة التأمين فيما جاوز حداً معيناً من الخسارة ( reassurance en exéedent de perte : stop loss ) : وفي هذه الصورة يتفق المؤمن مع المؤمن المعيد على نسبة مئوية معينة من مجموع الأقساط التي يتقاضاها المؤمن في فرع معين من فروع التأمين – التأمين من الصقيع أو التأمين من المسئولية أو التأمين على الحياة – ولتكن مثلاً 70% ، ويجعلها حداً أقصى لمجموع التعويضات التي يدفعها في هذا النوع من التأمين في خلال العام بأكمله . فإذا قلت التعويضات عن هذا الحد الأقصى أو بلغته دون أن تجاوزه تحملها المؤمن كلها ، أما إذا زادت فإن المؤمن يتحمل الحد الأقصى ويتحمل المؤمن المعيد الزيادة . فتختلف هذه الصورة عن الصورة السابقة ، وهي إعادة التأمين فيما جاوز حداً معيناً من الكوارث ، في أن الحد الأقصى في الصورة التي نحن بصددها يتناول جميع الكوارث ، كبرت أو صغرت ، في فرع معين من فروع التأمين ، ويكون نسبة مئوية من مجموع الأقساط التي يتقاضاها المؤمن في هذا الفرع من التأمين . أما الحد الأقصى في الصورة السابقة فيغلب أن يكون النسبة بالنسبة إلى كل كارثة على حدة ، وإذا تناول مجموع من الكوارث فهو على كل حال مبلغ معين ، أو نسبة معينة من مبلغ التأمين ، لا نسبة مئوية من مجموعة الأقساط كما هو الأمر في هذه الصورة الرابعة .

والصورة الرابعة هذه حديثة الظهور ، ولكنها آخذة في الانتشار السريع وبخاصة في إنجلترا وأمريكا . والغالب أنها قد اتبعت في أول الأمر التأمين من الصقيع ( grêle ) ، ففيه تتفاوت الإصابات من عام لآخر تفاوتاً كبيراً قد يصل في سنة إلى أربعة أضعاف ما يصل إليه في سنة أخرى . فيلجأ المؤمن من الصقيع إلى إعادة التأمين بحيث يعين حداً أقصى من التعويضات يتحمله ، وما زاد على هذا الحد يتحمله المؤمن المعيد . ثم امتدت الصورة بعد التأمين من الصقيع إلى التأمين من المسئولية ، وهي تمارس على مدى ضيق جداً في التأمين على الحياة وفي التأمين من الحريق .

ومزية هذه الصورة التبسيط الشديد في إجراءات المحاسبات والمراسلات ، فلا يحتاج المؤمن فيها إلى حسابات معقدة ومراسلات متصلة ، بل يكتفي في نهاية العامة بإخطار المؤمن المعيد بالنتيجة التي وصل إليها ، وبما إذا كانت التعويضات التي دفعها طوال العام تزيد على الحد الأقصى حتى يتقاضى من المؤمن المعيد الزيادة . ولكن عيبها الجوهري هو أن قسط إعادة التأمين الذي يجب أن يدفعه المؤمن للمؤمن المعيد لا يمكن تحديده على أساس فني سليم ، فهو غير مرتبط بوثيقة معينة حتى يحسب على أساسها ، بل يتناول مجموعاً كبيراً من الوثائق تقدير الاحتمالات فيها لا يمكن ضبطه ، فلا يمكن تحديد مقدار القسط إلا عن طريق تحكمي يلعب فيه الحظ والمصادفة دوراً كبيراً ، حتى ليكون التحديد أقرب إلى المضاربة والمقامرة . وهناك عيبان آخران . أولهما أن هذه الصورة الرابعة دون الصور الثلاث السابقة يتعارض فيها حظ المؤمن المعيد مع حظ المؤمن . ففي الصور الثلاث السابقة يرتبط الحظان أحدهما بالآخر ، إذا كسب المؤمن كسب المؤمن المعيد ويخسر هذا إذا خسر ذاك . أما في هذه الصورة الرابعة فيستطيع المؤمن أن يكسب على حساب المؤمن المعيد ، إذ يستطيع أن يؤمن من حوادث شديدة الخطر أو بأقساط منخفضة ، بل يستطيع أن يحابي المؤمن لهم عند تسوية حساب الكوارث ، ولا عليه من ذلك فإن الحد الأقصى الذي يتحمله من التعويضات التي يدفعها لا يجاوز نسبة معينة ، والباقي يتحمله المؤمن المعيد ، وليست لديه وسائل كافية لبسط الرقابة على العمليات التي يقوم بها المؤمن(   ) . والعيب الثاني يتعلق بالمؤمن نفسه وهو هنا في غير مصلحته ، إذ هو مضطر أن يدفع كل التعويضات طوال العام للمؤمن لهم دون أن يدفع المؤمن المعيد شيئاً منها إلا في نهاية العام عند تصفية الحساب ، وقد يعجز المؤمن عن ذلك ، بل قد يفاجأ بوجه من وجوه البطلان في اتفاق إعادة التأمين فينهار كل ما كان يعتمد عليه في مواجهة التزاماته .

ولما كانت الخاصية المميزة لعمليات إعادة التأمين هي أن إعادة التأمين ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتأمين ذاته ، فإعادة التأمين تنصب على عملية تأمين بالذات تشاركها حظها ، ولا يكون المؤمن المعيد مسئولاً إذا تحققت مسئولية المؤمن ، ويفيد المؤمن المعيد من جميع وجوه البطلان والفسخ والسقوط المتعلقة بعقد التأمين ، وقد رأينا هذه الخاصية منعدمة في الصورة الرابعة التي نحن بصددها ، لذلك قام الشك في أن تكون هذه الصورة داخلة حقاً في صور إعادة التأمين ، وفي أنها ليست في حقيقتها إلا تأميناً لا إعادة التأمين . فإعادة التأمين تفترض أن هناك تاميناً سابقاً قد عقد فيعاد التأمين في جزء منه أو فيه كله ، أما هنا فليس هناك تأمين سابق بالذات قد عقد ثم أعيد ، بل يبدو أن هناك تأميناً مباشراً للمؤمن من خسارته المحتملة في مجموع عمليات التأمين(   ) . ومع ذلك فإن الرأي الغالب يدخل هذه الصورة الرابعة ضمن صور إعادة التأمين ، وإن كان يميزها عن سائر الصور بأن حظ المؤمن المعيد فيها مستقل عن حظ المؤمن .

557 – الآثار التي تترتب على إعادة التأمين : نبين أولاً التكييف القانوني لعقد إعادة التأمين ، حتى يمكن استخلاص الآثار التي تترتب عليه وفقاً لطبيعته . وقد ذهب رأي إلى أن المؤمن يعتبر وكيلاً عن المؤمن المعيد فيما أعيد فيه التأمين ، وذهب رأي ثان إلى أن المؤمن والمؤمن المعيد شريكان ، وذهب رأي ثالث إلى أن المؤمن المعيد كفيل للمؤمن قبل المؤمن له ، وذهب رأي رابع إلى أن المؤمن نقل إلى المؤمن المعيد عن طريق الحوالة ما أعاد فيه التأمين(   ) . وعيب هذه الآراء جميعاً أنها تؤدي إلى أن تكون هناك علاقة مباشرة بين المؤمن المعيد والمؤمن له ، والصحيح أن هذه العلاقة المباشرة غير موجودة وأن المؤمن له أجنبي في عقد إعادة التأمين ولا يستمد منه أي حق مباشر قبل المؤمن المعيد . وقد استقر القضاء والفقه في فرنسا على أن عقد إعادة التأمين ما بين المؤمن والمؤمن المعيد مؤمناً(   ) . وذهب فريق إلى أن عقد التأمين هذا هو عقد تأمين من المسئولية ، وذهب فريق ثان إلى أنه عقد تأمين على الأشياء ، وذهب فريق ثالث إلى أنه يتبع عقد التأمين الأصلي الذي قام عليه فيكون مثله تأميناً من المسئولية أو تأميناً على الأشياء أو تأميناً على الحياة أو غير ذلك . وإذا كان هذا الرأي الأخير هو الذي يبدو أنه الرأي الصواب ، إلا أنه لا تكاد توجد أهمية عملية في تحديد أي نوع م التأمين يكون عقد إعادة التأمين ، فهو في جميع الأحوال عقد تأمين تسري عليه المبادئ العامة لعقود التأمين ، ولا يجوز فيه أن يلتزم المؤمن المعيد نحو المؤمن بأكثر مما يلتزم المؤمن $1132 نحو المؤمن له . ويجب أن يلاحظ أن إعادة التامين عقد تأمين ما بين المؤمن والمؤمن المعيد ، ولا شأن للمؤمن له به فهو أجنبي عنه لا يكسب منه حقاً ولا يتحمل التزاماً ، ويبقى المؤمن وحده هو المسئول نحو المؤمن له بموجب عقد التأمين الأصلي الذي أبرم فيما بينهما . ويتضمن مشروع الحكومة بشأن عقد التأمين ، وهو المشروع الذي سيأتي ذكره فيما يلي ، نصاً في هذا المعنى ، حيث تقول المادة 23 من هذا المشروع : "في جميع الأحوال التي يعيد فيها المؤمن تأمين ما هو مؤمن لديه من المخاطر لدى الغير ، يظل المؤمن وحده مسئولاً قبل المؤمن له"(   ) . على أنه إذا كان واجباً تمييز عقد إعادة التأمين عن عقد التأمين الأصلي ، إلا أنه يجب أن يلاحظ مع ذلك أن العقد الأول يستند إلى العقد الثاني ويقوم عليه ، ويتبع مصيره صحة وبطلاناً وفسخاً وسقوطاً ، وذلك طبقاً للمبدأ الأساسي المقرر في إعادة التأمين من أن المؤمن المعيد يشترك مع المؤمن في المصير(   ) .

وإذا كنا قد كيفنا عقد إعادة التأمين بأنه عقد تأمين يخضع بوجه عام للمبادئ التي تخضع لها عقود التأمين ، إلا أنه عقد يتميز بقواعد خاصة به فيما يتعلق بالآثار التي تترتب عليه ، وقد استمدت هذه القواعد في اتفاقات إعادة التأمين ( traits de reassurance ) المألوفة . وقد استقرت الشروط التي تتضمنها هذه الاتفاقات حتى أصبحت عرفاً ثابتاً ، ومنها تستخلص أهم الآثار التي تترتب على عقد إعادة التأمين . فهذا العقد ملزم للجانبين ، يلزم المؤمن بأن يدفع أقساط إعادة التأمين للمؤمن المعيد ، ويلزم المؤمن المعيد بأن يتحمل نصيبه من التعويض عند تحقق الكارثة(   ) . وهو عقد يخضع لمبدأين أساسيين ، مبدأ حسن النية ومبدأ وحدة المصير . وإلى جانب الالتزامين الرئيسيين ، التزام المؤمن بدفع أقساط إعادة التأمين والتزام المؤمن المعيد بتحمل نصيبه من التعويض ، يلتزم المؤمن بتقديم كشوف أو قوائم دورية للمؤمن المعيد ، ويلتزم المؤمن المعيد بأن يدفع عمولة للمؤمن وبأن يترك تحت يده وديعة لضمان التزاماته نحوه . وإذا أفلس أي من هذين المتعاقدين ، ترتب على هذا الإفلاس آثار معينة . فنستعرض في إيجار هذه المسائل المختلفة .

أما التزام المؤمن بدفع أقساط إعادة التأمين(   ) ، وكذلك التزام المؤمن المعيد بتحمل نصيبه من التعويض(   ) ، فلا نقف عندهما ، إذ أن عقد إعادة التأمين في ذلك لا يختلف عن عقد التأمين المباشر .

$ 1134 وأما البلدان الرئيسيان اللذان يخضع لهما عقد إعادة التأمين فهما ، كما قدمنا ، مبدأ حسن النية ومبدأ وحدة المصير . ومبدأ حسن النية ( principe de bonne foi . ) يقضي بأن تكون هناك ثقة متبادلة ما بين المؤمن و المؤمن المعيد ، فهما أقرب إلى أن يكونا شريكين . والمؤمن المعيد يعتمد اعتماداً تاماً على حسن نية المؤمن وأمانته في تقديره للأخطار التي يؤمنها ، وعلى كفايته ونزاهته في إدارته لعمله . ومن مقتضيات حسن النية أن يقدم المؤمن للمؤمن المعيد جميع البيانات المتعلقة بالأخطار التي يعيد التأمين عليها ، فإذا أدلى ببيانات كاذبة ، أو كتم بيانات جوهرية ، كان هذا تدليساً يستوجب إبطال عقد إعادة التأمين . ومن حق المؤمن المعيد أن يراقب أعمال المؤمن ، وأن يطلع على دفاتره وحساباته ، وإن كان لا يستعمل هذا الحق إلا نادراً لأن الإكثار من استعماله يشعر بعدم الثقة . وإذا أخل المؤمن بالثقة التي وضعها المؤمن المعيد فيه . كان لهذا الأخير أن يطلب فسخ عقد إعادة التأمين والتعويض عند الاقتضاء . ومبدأ وحدة المصير ( identité de fortune ) معناه أن مصير المؤمن المعيد مرتبط بمصير المؤمن . فعقد إعادة التأمين يستند إلى عقد التأمين المباشر في مقدار أقساطه ، وفي شروطه ومحتوياته ، وفي مبلغ التعويض ، وكل تعديل يطرأ على ذلك يرتد إلى عقد إعادة التأمين . ويتأثر عقد إعادة التأمين بما يتأثر به عقد التأمين المباشر ، فإذا كانت هناك وجوه لبطلان عقد التأمين المباشر أو لإبطاله أو لعدم نفاذه أو لسقوطه أو لانقضائه اعتد بذلك كله في عقد إعادة التأمين .

وأما التزام المؤمن بتقديم كشوف أو قوائم دورية للمؤمن المعيد تسمى بقوائم التطبيق ( bordereaux d'application ) ، فيرجع ذلك إلى أن إعادة التأمين تكون عادة بموجب اتفاق عام ( traité ) يطبق فيما بعد على كل عملية من عمليات التأمين التي يقوم بها المؤمن ، وهذا ما يسمى بإعادة التأمين الإجبارية كما رأينا(   ) . فعلى المؤمن أن يقدم إلى المؤمن المعيد ، عقب كل عملية تدخل بموجب الاتفاق العام في نطاق إعادة التأمين ، قائمة مؤقتة ( bordereau proviso ire ) تتضمن بيانات موجزة عن الخطر المؤمن منه ومقدار القسط . ويعقب القائمة المؤقتة قائمة نهائية ( bordereau definitive ) أو قائمة بالحوالة ( bordereau de cession ) ، تتضمن بيانات تفصيلية عن الخطر المؤمن منه والجزء الذي يحال تأمينه إلى المؤمن المعيد والقسط الذي قيد لحسابه . وترسل هذه القوائم النهائية في مواعيد دورية ، كل شهر أو كل ثلاثة أشهر أو كل ستة أشهر ، ومجموع الصافي من الأقساط الذي يخص المؤمن المعيد يرحل في نهاية كل فترة إلى الحساب الجاري المفتوح بين المؤمن والمؤمن المعيد . ولما كانت هذه القوائم ليست هي الأساس في التزامات المؤمن المعيد ، بل الأساس في اتفاق إعادة التأمين ، فقد تخفف العمل منها شيئاً فشيئاً ، وبسطت إلى حد أنه لا ترسل القوائم المؤقتة تعقبها القوائم النهائية إلا في الوثائق الهامة ، أما الوثائق محدودة الأهمية فيكتفي فيها بإرسال قوائم نهائية موجزة . وفي كثير من الأحوال لا يرسل المؤمن قوائم التطبيق أصلاً ، ويكتفي بأن يقيد في سجل خاص الوثائق التي ينطبق عليها الاتفاق العام لإعادة التأمين ، ويبين في هذا السجل نصيبه ونصيب المؤمن المعيد في تحمل الخطر المعاد التأمين منه ، وتتم المحاسبة بين الطرفين على أساس البيانات الواردة في هذا السجل كل ثلاثة شهور . ويسمى اتفاق إعادة التأمين الذي يعفي المؤمن من تقدي القوائم "بالاتفاق الأعمى" ( contrat aveugle ) ، إذ يضطر فيه المؤمن المعيد أن يضع في المؤمن ثقة عمياء ، وكان يستطيع عن طريق القوائم الدورية أن يستوثق من حسن إدارة المؤمن في عمليات التأمين التي عقدها ،وكذلك كان يستطيع أن يتبين مدى التزاماته في إعادة التأمين ليقدر ما إذا كانت هناك حاجة لإعادة تأمين ثانية من جانبه ( retrocession ) .

وأما التزام المؤمن المعيد بأن يدفع عمولة ( commission ) للمؤمن ، فيرجع إلى أن مصروفات الإدارة والحصول على وثائق التأمين المعاد التأمين فيها تقع على عاتق المؤمن في البداية ، فوجب أن يشاركه فيها المؤمن المعيد عند إعادة التأمين ، فيدفع له عمولة تحسب على أساس أقساط إعادة التأمين . فالعمولة إذن هي مساهمة جزافية من المؤمن المعيد في المصروفات التي أنفقها المؤمن ، ويختلف مقدار العمولة باختلاف صور إعادة التأمين ، ففي إعادة التأمين بالمحاصة تكون العمولة عادة عالية ، وقد تصل إلى 40% من قسط إعادة التأمين ، إذ أن هذه الصورة تحقق مزايا كبيرة للمؤمن المعيد وتشركه مع المؤمن في جميع وثائق التأمين(   ) . وإلى جانب العمولة ، قد يدفع المؤمن المعيد للمؤمن جزءًا من الأرباح التي يجنيها من وراء إعادة التأمين ، وقد يكون هذا الجزء ثابتاً أو متغيراً بحسب مقدار الربح(   ) .

يبقى التزام المؤمن المعيد بأن يترك تحت يد المؤمن وديعة ( depôt ) لضمان التزاماته نحوه لضمان التزاماته نحوه . ويرجع هذا الالتزام إلى أن المؤمن يجب عليه تكوين احتياطيات سبق بيانها(   ) ، ولا يجوز له أن يدخل في هذه الاحتياطيات ما يثبت له من حقوق شخصية قبل المؤمن المعيد بموجب عقد إعادة التأمين ، فيشترط عادة أن تبقى أقساط إعادة التأمين في يده ، بعد خصم العمولة المستحقة له ، وذلك على سبيل الضمان . فيتكون من هذه الأقساط تحت يد المؤمن وديعة يتركها المؤمن المعيد عنده ، ويستطيع المؤمن أن يدخل هذه الوديعة ضمن الاحتياطيات الواجب تكوينها . فإذا كانت الوديعة نقدية ( depôt en espéces ) وذلك بأن يستبقي المؤمن أقساط إعادة التأمين في يده كما هي نقوداً وتكون ديناً في ذمته للمؤمن المعيد ، فإن المؤمن يستخدم هذه النقود في شراء قيم منقولة ( valeurs mobiliéres ) باسمه هو ، ويجعلها جزءًأ من الاحتياطيات التي يكونها . وقد تكون الوديعة قيمية ( depot en valeurs ) ، وذلك بأن يتفق المؤمن مع المؤمن المعيد على أن يشتري الأول قيماً منقولة معينة بأقساط إعادة التأمين التي في ذمته للمؤمن المعيد ، وتكون هذه القيم ملكاً لهذا الأخير ، له أرباحها وارتفاع أسعارها ، وعليه نزول الأسعار . ولكن القيم تقيد أو تودع في مصرف باسم المؤمن ، ويكون له عليها حق رهن يمكنه من أن يجعلها داخلة في تكوين الاحتياطيات . فأقساط إعادة التأمين تتمثل في النهاية في قيمة منقولة ، وهذه القيم إما أن تكون ملكاً للمؤمن ويكون مديناً بالأقساط للمؤمن المعيد ، وإما أن تكون ملكاً للمؤمن المعيد ولكنها مرهونة للمؤمن ، وفي الحالتين يدخلها المؤمن ضمن الاحتياطيات التي كوِّنها .

فإذا أفلس المؤمن المعيد ، احتفظ المؤمن بالقيم المنقولة في الحالتين . يحتفظ بها في حالة ما إذا كانت ملكاً له لأنه هو المالك ، أما الدين الشخصي الذي يبقى في ذمته للمؤمن المعيد بأقساط إعادة التأمين فتتم المقاصة بينه وبين ما يكون له في ذمة المؤمن المعيد ، ولا يمنع الإفلاس من إجراء المقاصة لما يوجد من ارتباط بينا لدينين ، بل إنه يمكن القول إن الدينين مدرجان كمفردات في حساب جار مفتوح بين المؤمن والمؤمن المعيد فتجري المقاصة بين هذه المفردات طبقاً للقواعد المقررة في الحساب الجاري(   ) . ويحتفظ المؤمن بالقيم المنقولة في حالة ما إذا كانت ملكاً للمؤمن المعيد لأن له عليها حق رهن كما قدمنا ، فينفذ عليها بالحقوق التي له في ذمة المؤمن المعيد متقدماً في ذلك على سائر دائني التفليسة(   ) . أما إذا أفلس المؤمن ، فإن المؤمن لهم ينفذون بحقوقهم على القيم المنقولة ، سواء كانت ملكاً للمؤمن لأنهم ينفذون على ملك مدينهم ، أو كانت ملكاً للمعيد لأنها مرهونة كما قدمنا لمدينهم المؤمن(   ) .

2 – التأمين في علاقة المؤمن بالعملاء ( عقد التأمين )

558 – عقد التأمين هو الذي ينظم علاقة المؤمن بعملائه ، وهو الذي نقف عنده : بعد هذا الاستعراض السريع للتنظيم الداخلي للتأمين ، ننتقل إلى التأمين في علاقة المؤمن بالعملاء ، وينظم هذه العلاقة عقد التأمين . وهذا هو الذي نقف عنده ، لأنه هو الذي يعنينا في هذه الدراسة المتعلقة بالعقود المسماة ومنها عقد التأمين . وقد سبق التعريف بهذا العقد(   ) ، ونبين الآنفي هذه المقدمة خصائصه ، وعناصره ، وتقسيماته ، وتنظيمه التشريعي .

559 – خصائص عقد التأمين – نصوص قانونية : عقد التأمين عقد رضائي ، ملزم للجانبين ، ومن عقود المعاوضة . وهو أيضاً من العقود الاحتمالية ( عقود الغرر ) ، ومن العقود الزمنية ، ومن عقود الإذعان .

1- فعقد التأمين عقد رضائي ، ينعقد بمجرد توافق الإيجاب والقبول . ولكننا سنرى ، عند الكلام في إثباته ، أنه لا يثبت عادة إلا بوثيقة تأمين ( police ) يوقع عليها المؤمن . وسنرى كذلك أنه اصبح في مشروع الحكومة عقداً شكلياً(   ) .

2- وهو عقد ملزم للجانبين ، والالتزامان الرئيسيان المتقابلان فيه هما التزام المؤمن له بدفع أقساط التأمين والتزام المؤمن بدفع مبلغ التأمين إذا وقعت الكارثة المؤمن منها . ويلاحظ أن التزام المؤمن له بجفع أقساط التأمين التزام محقق ، ينفذ عادة على آجال معينة ، كل شهر أو كل ثلاثة شهور أو كل سنة أو نحو ذلك . أما التزام المؤمن فهو التزام غير محقق ، إذ هو التزام احتمالي ( obligation éventuelle ) . وليس هو التزاماً معلقاً على شرط واقف هوتحقق الخطر المؤمن منه ، لأن تحقق الخطر ركن قانوني في الالتزام وليس مجرد شرط عارض . ولو كان تحقق الخطر شرطاً واقفاً ، لأمكن تصور قيام التزام المؤمن بدونه التزاماً بسيطاً منجزاً ، وهذا لا يمكن تصوره لأن التزام المؤمن مقترن دائماً بتحقق الخطر ، ولا يمكن فصل الاثنين أحدهما عن الآخر(   ) .

3- وهو من عقود المعاوضة ، إذ كل من المتعاقدين يأخذ مقابلاً لما أعطى . فالمؤمن بأخذ مقابلاً ، هو أقساط التأمين التي يدفعها المؤمن له . وكذلك المؤمن يأخذ مقابلاً لما يدفعه ، هو مبلغ التأمين إذا وقعت الكارثة .وقد يبدو أن المؤمن له لا يأخذ مقابلاً إذا لم تقع الكارثة إذ يكون المؤمن غير ملتم بشيء نحوه ، ولكن الواقع أن المقابل الذي يأخذه المؤمن له في نظير دفع أقساط التأمين ليس هو مبلغ التأمين بالذات فقد يأخذه وقد لا يأخذه ، ولكن المقابل هو تحمل المؤمن لتبعة الخطر المؤمن منه سواء تحقق الخطر أو لم يتحقق ، وتحمل المؤمن لهذه التبعة ثابت في الحالتين .

4- وهو من العقود الاحتمالية أو عقود الغرر ( contrats aléatoires ) ، وقد أورده التقنين المدني ضمن هذه العقود بعد المقامرة والرهان والإيراد المرتب مدى الحياة . ومعنى أن عقد التأمين عقد احتمالي هو أنه في العلاقة ما بين المؤمن ومؤمن له بالذات يكون احتمالياً من الناحية القانونية المحضة ، فالمؤمن وقت إبرام العقد لا يعرف مقدار ما يأخذ ولا مقدار ما يعطي إذ أن ذلك متوقف على وقوع الكارثة أو عدم وقوعها ، وكذلك الحال بالنسبة إلى المؤمن له فمقدار ما يأخذ ومقدار ما يعطي متوقف هو أيضاً على وقوع الكارثة أو عدم وقوعها . ولكن إذا تركنا هذا الجانب القانوني المحض إلى الجانب الفني الاقتصادي ، ونظرنا إلى علاقة المؤمن لا بمؤمن له بالذات بل بمجموع المؤمنين ، تبينا أن عقد التأمين ليس احتمالياً لا بالنسبة إلى المؤمن ولا بالنسبة إلى المؤمن له . فهو ليس احتمالياً بالنسبة إلى لامؤن ، إذ المؤمن إنما يأخذ الأقساط من المؤمن لهم ثم يعيد توزيعها على من وقعت الكارثة به منهم ، بعد أن يخصم مصروفات الإدارة ، فهو إذا أحسن تقدير الاحتمالات والتزم الأسس الفنية الصحيحة في التأمين ، لم يعرض نفسه لاحتمال الخسارة أو لاحتمال المكسب بأكثر مما يعرض نفسه لذلك أي شخص آخر يعمل في التجارة . وليس عقد التأمين احتمالياً بالنسبة إلى المؤمن له ، فالعقد الاحتمالي هو الذي يتوقف علىالحظ والمصادفة ، في حين أن المؤمن له إنما يقصد بعقد التأمين عكس ذلك تماما؟ً ، فهو يريد أن يتوقى مغبة الحظ والمصادفة ، ويتعاون مع غيره من المؤمن لهم على توزيع شرور ما يبينه الحظ لهم جميعاً بحيث لا ينال أياً منهم من هذه الشرور إلا مقدار يسير يستطيع تحمله في غير عناء . فهو ، إذا لم تتحقق الكارثة ، لم يخسر الأقساط التي دفعها ، إذ أن هذه الأقساط إنما دفعها مقابلاً لتعاون سائر المؤمن لهم معه وقد تعاونوا . وهو ، إذا تحققت الكارثة ، لم يكسب مبلغ التأمين ، إذ أن هذا المبلغ ليس إلا تعويضاً لما حاق به من الخسارة وقد جاء ثمرة لهذا التعاون . فعقد التأمين بالنسبة إلى المؤمن له ليس إذن عقداً يقصد به تحمل أثر الحظ كما هو الأمر في المقامرة والرهان ، بل هو على العكس من ذلك عقد يقصد به إبعاد أثر الحظ بقدر المستطاع(   ) .

5- وهو من العقود الزمنية ( contrats succssifs ) ، لأنه يعقد لزمن معين ، والزمن عنصر جوهري فيه . ويلتزم المؤمن لمدة معينة ، فيتحمل تبعة الخطر المؤمن منه ابتداء من تاريخ معين إلى نهاية لمدة معينة ، فيتحمل تبعة الخطر المؤمن منه ابتداء من تاريخ معين إلى نهاية تاريخ معين . كذلك المؤمن له يلتزم للمدة التي يلتزم لها المؤمن ، ويوفي التزامه أقساطاً متتابعة على مدة هذه المدة ، ويجوز أن يوفيه دفعة واحدة ولكن يراعى في تقدير هذه الدفعة الزمن المتعاقد عليه . ويترتب على أن عقد التأمين عقد زمني أنه إذا فسخ هذا العقد أو انفسخ ، لم يكن ذلك بأثر رجعي ، ولم ينحل العقد إلا في وقت الفسخ أو الانفساخ ، وما نفذته قبل ذلك يبقى قائماً ، وبوجه خاص لا يسترد المؤمن له من المؤمن الأقساط المقابلة لمدة التي انقضت قبل حل العقد .

6 – وهو من عقود الإذعان ، والمؤمن هو الجانب القوي . ولا يملك المؤمن له إلا أن ينزل عند شروط المؤمن ، وهي شروط أكثرها مطبوع ، ومعروضة على الناس كافة ، وهذه هي أهم خصائص عقد الإذعان . على أن تدخل المشروع في تنظيم عقد التأمين لحماية المؤمن لهم خفف كثيراً من تعسف بالمؤمن له . هذا إلى أن قيام التأمين على الأسس الفنية الصحيحة يمنع أحد الطرفين من أن يجور على الآخر ، ويجعل التأمين يؤدي مهمته الحقيقية وهي تنظيم التعاون بين المؤمن لهم المعرضين لخطر مشترك ومساهمة كل منهم بنصيبه فيه إذا نزل بأحد منهم ، ويجعل شركة التأمين تقوم بدورها الصحيح وهو دور الوسيط بين المؤمن لهم لتنظيم التعاون فيما بينهم ، لا دور المتعاقد القوي الذي يستغل ضعف المتعاقد الآخر(   ) .

وإلى كل ذلك قد أورد التقنين المدني نصين هامين قصد بهما أن يحمي المؤمن لهم ، ويجعل الكفة متوازنة بينهم وبين المؤمن .

فجعل أولاً النصوص التي تنظم عقد التأمين والتي تهدف في مجموعها إلى حماية المؤمن له نصوصاً لا تجوز مخالفتها ، إلا أن يكون ذلك لمصلحة المؤمن له ، أما إذا اتفق على مخالفتها لمصلحة المؤمن فإن الاتفاق يكون باطلاً . وقد نصت المادة 753 من التقنين المدني في هذا المعنى على أن "يقع باطلاً كل اتفاق يخالف أحكام النصوص الواردة في هذا الفصل ، إلا أن يكون ذلك لمصلحة المؤمن له أو لمصلحة المستفيد"(   ) .

وعمد ثانياً إلى بعض الشروط التي ترد أحياناً في عقود التأمين وتكون جائزة ، فنص صراحة على بطلانها . وتنص المادة 750 من التقنين المدني في هذا الصدد على ما يأتي : "يقع باطلاً ما يرد في وثيقة التأمين من الشروط الآتية : ( 1 ) الشرط الذي يقضي بسقوط الحق في التأمين بسبب مخالفة القوانين واللوائح ، إلا إذا انطوت هذه المخالفة على جناية أو جنحة عمدية . ( 2 ) الشرط الذي يقضي بسقوط حق المؤمن له بسبب تأخره في إعلان الحادث المؤمن منه إلى السلطات أو في تقديم المستندات ، إذا تبين من الظروف أن التأخر كان لعذر مقبول . ( 3 ) كل شرط مطبوع لم يبرز بشكل ظاهر ، وكان متعلقاً بحالة من الأحوال التي تؤدي إلى البطلان أوالسقوط . ( 4 ) شرط التحكيم إذا ورد في الوثيقة بين شروطها العامة المطبوعة ، لا في صورة اتفاق خاص منفصل عن الشروط العامة . ( 5 ) كل شرط تعسفي آخر يتبين أنه لم يكن لمخالفته أثر في وقوع الحادث المؤمن منه"(   ) . وسيأتي بحث هذه الشروط الباطلة ، ويكفي هنا أن نبرز ما ينطوي عليه هذا النص من حماية جدية للمؤمن له . فهو بعد أن أورد شروطاً معينة رآها جائزة ونص على بطلانها ، بل نص على بطلان شرط مألوف وهو شرط التحكيم إذا لم يبرز في صورة اتفاق خاص منفصل عن الشروط العامة المطبوعة حتى يوجه إليه نظر المؤمن له لأهميته ، عمم بعد التخصيص فأبطل كل شرط تعسفي آخر يتبين أنه لم يكن لمخالفته أثر في وقوع الحادث المؤمن منه ، فيكون تعسفاً من جانب المؤمن أن يتمسك بمثل هذا الشرط(   ) .

560 – عناصر التأمين : رأينا(   ) أن المادة 747 مدني تعرف عقد التأمين بأنه "عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين بالعقد ، وذلك في نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن" . ويتبين من هذا التعريف أن العنصر الجوهري في التأمين هو الخطر المؤمن منه ، وهذا الخطر يستتبع التأمين منه أن يدفع المؤمن له قسط التأمين ، وأن يدفع المؤمن مبلغ التأمين إذا تحقق الخطر . فهناك إذن عناصر ثلاثة للتأمين : الخطر المؤمن منه ، وقسط التأمين ، ومبلغ التأمين .

561 – العنصر الأولى – الخطر المؤمن منه ( risque assuré ) إحالة : الغرض من عقد التأمين هو دائماً تأمين شخص من خطر يتهدده ، أي من حادث يحتمل وقوعه ، فإذا ما تحقق الخطر ووقع الحادث سمي كارثة ( sinsistre ) . على أن الخطر ( risqué ) والكارثة لهما في عقد التأمين مدلول أوسع من المدلول المألوف ، إذ الخطر والكارثة يستعملان عادة في شر يتهدد شخصاً ، فإذا ما تحقق الخطر ووقع الشركان كارثة . وهذا هو أيضاً الغالب في عقد التأمين ، فيؤمن الشخص نفسه من الحريق ، أو من السرقة ، أو من الإصابات ، أو من الوفاة ، أو من المسئولية . ولكن مع ذلك قد يكون الحادث المؤمن منه حادثاً سعيداً ، فهناك تأمين الأولاد ( assurance de natalité ) يتقاضى المؤمن له فيه مبلغ التأمين كلما يرزق ولداً ، وهناك تأمين الزواج ( assurance de nuptialité ) يتقاضى المؤمن له فيه مبلغ التأمين إذا ما تزوج قبل بلوغه سناً معينة ، وهناك تأمين المهر ( assurance dotale ) يكون المستفيد فيه أحد أولاد المؤمن له إذا عاش إلى تاريخ معين وهو التاريخ الذي يطلب أن يتزوج فيه فيكون في حاجة إلى المهر ، وهناك التأمين لحالة البقاء ( assurance en cas de vie ) يتقاضى فيه المؤمن له مبلغ التأمين إذا عاش إلى تاريخ معين ، فهذه كلها حوادث سعيدة ومع ذلك يجوز التأمين منها .

ولما كان الخطر المؤمن منه هو المحل الرئيسي في عقد التأمين ، فسيكون مكانه في البحث عند الكلام في أركان العقد(   ) .

562 – العنصر الثاني – قسط التأمين ( prime de'assurance ) : وقسط التأمين هو المقابل المالي الذي يدفعه المؤمن له للمؤمن لتغطية الخطر المؤمن منه . فهناك إذن علاقة وثيقة بين قسط التأمين والخطر المؤمن منه . فقسط التأمين يحسب على أساس هذا الخطر ، وإذا تغير الخطر تغير معه قسط التأمين زيادة أو نقصاً وفقاً لمبدأ عام مسلم به في التأمين هو مبدأ نسبية القسط إلى الخطر ( proportionnalité de la prime au risqué ) . ويكون قسط التأمين عادة مبلغاً سنوياً ثابتاً لا يتغير من سنة إلى أخرى ، ومع ذلك يصح أن يكون مبلغاً متغيراً في جمعيات التأمين التبادلية ويسمى القسط في هذه الجمعيات بالاشتراك ( contisation ) .

ولا يحدد مقدار قسط التأمين اعتباطاً بطريقة تحكمية ، بل إن هذا التحديد خاضع لعوامل حتمية لابد من مراعاتها . ويجب في هذا الصدد التمييز بين القسط الصافي ( prime pure ) والقسط التجاري ( prime commerciale ) .

فالقسط الصافي هو المبلغ الذي يقابل الخطر فيغطيه تماماً دون زيادة أو نقص . ويتخذ لحساب القسط الصافي أساس من وحدة قيمية ووحدة زمنية . فالوحدة القيمية هي وحدة تقدرها شركة التأمين ، ولتكن مائة جنيه مثلاً ، بحيث يحسب القسط الصافي على أساس هذه الوحدة . فالمؤمن له إذا أمن على مائة جنيه دفع مقداراً معيناً ، ويزيد هذا المقدار بنسبة زيادة المبلغ المؤمن عليه ، فيكون عشرة الأمثال إذا كان المبلغ المؤمن عليه ألف جنيه ، وخمسين مثلاً إذا كان المبلغ المؤمن عليه خمسة آلاف جنيه ، وهكذا . والوحدة الزمنية تكون في العادة سنة واحدة . فيحسب القسط الصافي إذن على أساس أن مبلغ التأمين هو مائة جنيه وأن مدة التأمين هي سنة واحدة ، ويضاعف بعد ذلك بنسبة ما يصل إليه مبلغ التأمين ، كما يتكرر سنة بعد سنة بحسب المدة المحددة لعقد التأمين .

فإذا كان مبلغ التأمين مائة جنيه ومدته سنة واحدة يحسب القسط الصافي بحسب احتمال وقوع الخطر ( prababilité de realization du risqué ) ويحسب جسامته المتوقعة ( intensité de risqué ) . وحساب ذلك يكون على الوجه الآتي : تجد شركة التأمين أنها أمنت على عشرة آلاف حالة ، كل حالة بمبلغ مائة جنيه ، ولمدة سنة واحدة . وتقدر الشركة ، خاضعة في هذاالتقدير  للاساسين الفنيين اللذين يقوم عليهما التأمين ، وهما تقدير الاحتمالات ( calcul des probabilities ) وقانون الكثرة ( loi des grands nombres ) . أن الخطر المؤمن منه يتحقق في خمسين حالة من بين عشرة الآلاف المؤمن عليها في السنة الواحدة . فإذا كان خطر الحريق يتحقق كاملاً من ناحية جسامته في هذه الخمسين حالة ، لكان على الشركة أن تدفع تعويضاً كاملاً للمؤمن لهم ، يبلغ مائة جنيه عن كل حالة من الخمسين ، أي أن مجموع ما تدفعه من التعويض في السنة يبلغ خمسة آلاف جنيه . فإذا وزع هذا المبلغ على مجموع المؤمن لهم وهم عشرة آلاف ، لكان النصيب الذي يتحمله كل مؤمن له في هذا التوزيع هو نصف جنيه . وهذا هو القسط الصافي الذي يجب على كل مؤمن له أن يدفعه في كل سنة حتى يغطي خطراً مقداره مائة جنيه . وقد فرضنا في ذلك ، كما قدمنا . أنالخطر يتحقق كاملاً من ناحية جسامته في الخمسين حالة . فإذا دل حساب تقدير الاحتمالات طبقاً لقانون الكثرة أن متوسط ما يتحقق من الخطر من حيث جسامته في الخمسين حالة لا يزيد على ثلاثة أخماس ، أي أن الخسارة التي تنجم عن الحريق تبلغ في متوسطها ثلاثة أخماس المبلغ المؤمن عليه وهو مائة جنيه . أي تبلغ ستين جنيهاً في كل حالة من الحالات الخمسين ، كان مجموع التعويض الذي تدفعه الشركة في السنة هو ثلاثة آلاف جنيه فقط . فإذا وزع هذا المبلغ على مجموع المؤمن لهم وهم عشرة آلاف ، لكان نصيب كل منهم في تحمل الخسارة هو 0 .3 من الجنيه . فيجب إذن تخفيض القسط الصافي إلى هذا المقدار عن كل مائة جنيه(   ) ، ونكون بذلك قد راعينا في وقت واحد احتمال وقوع الخطر وجسامته المتوقعة كما سبق القول .

هذا هو القسط الصافي(   ) . ولكننا نفرض في كل ذلك أن شركة التأمين إنما تجمع هذه الأقساط الصافية من مجموع المؤمن لهم ويبلغ عددهم عشرة آلاف ، وما تجمعه من ذلك توزعه كله على الخمسين الذين تحقق الخطر بالنسبة إليهم في خلال العام . وقد أغفلنا أن قيام الشركة بكل هذه الأعمال يكلفها نفقات يجب إدخالها في الحساب ، وإضافتها إلى القسط الصافي . فيكون القسط الصافي مضافاً إليه هذه التكاليف ( chargement ) هو القسط التجاري ( prime commerciale ) (   ) ، أي القسط الفعلي الذي يدفعه المؤمن له للشركة .

والتكاليف التي يجب أن تضاف إلى القسط الصافي هي ما يأتي : ( 1 ) عمولة الوساطة ، ذلك أن شركة التأمين في أغلب الأحوال لا تصل إلى عملائها إلا عن طريق مندوبين عنها هم وكلاء التأمين وسماسرةته ، ويدعون بالمنتجين . فإن أكثر الناس لا يدركون فوائد التأمين إلا إذا بصرهم بها الوسطاء ، ومن يدرك منهم فوائده لا ينشط من تلقاء نفسه للتعاقد مباشرة مع شركة التأمين ، وإنما الوسيط هو الذي يستحثه على التعاقد ، وييسر له سبله ، ويشرح له طرقه المتنوعة . وليست العمولة بالقدر البسيط ، فقد تصل في بعض الأحيان إلى 20% أو 25% من مقدار القسط المدفوع ، والذي يتحمل بها هو العميل فتضاف إذن إلى القسط الصافي . ( 2 ) نفقات تحصيل القسط ، ذلك أن شركة التأمين هي التي تسعى عادة إلى العملاء لتحصيل الأقساط ، فيكون القسط مطلوباً ( quérable ) لا محمولاً ( portable ) . وللشركة محصلون يقومون بتحصيل الأقساط من العملاء ، فأجور هؤلاء المحصلين ومصروفات انتقالاتهم هي نفقات التحصيل . وهذه أيضاً يجب أن تضاف إلى القسط الصافي بمقدار يتناسب مع قيمة القسط . ( 3 ) مصروفات الإدارة العامة ، فالشركة لها مكان تقيم فيه ، ويصرف أعمالها مدير أو مديرون ، ويعمل فيها عدد كبير من الموظفين والخدم ، وكثيراً ما تلجأ إلى خبراء للكشف ولتقدير الأضرار ، وترفع كما يرفع عليها كثير من القضايا مما يستدعي نفقات لا يستهان بها ، فهذا وما إليه من تكاليف الإدارة يقع على عاتق العميل ، ويضاف إلى القسط الصافي مقدار منه يتناسب مع قيمة القسط . ( 4 ) ويضاف كذلك إلى القسط الصافي ما تفرضه الدولة من الضرائب والرسوم . ( 5 ) وإذا كانت شركة التأمين غير مؤممة ، فإن أسهمها تكون مملوكة للمساهمين من الأفراد ، وهذا هو رأس مالها تستغله في صناعة التأمين ، فوجب أن توزع أرباحاً معقولة على المساهمين . ولا تصل هذه الأرباح في كثير من الأحيان إلى أكثر من 2% من قيمة القسط ، فتضاف هي أيضاً إلى القسط الصافي .

563 – العنصر الثالث – مبلغ التأمين ( prestation de l'assureur ) : ومبلغ التأمين هو المبلغ الذي يتعهد المؤمن بدفعه للمؤمن له ، أو للمستفيد ، عند تحقق الخطر المؤمن منه ، أي عند وقوع الكارثة التي هي محل التأمين ، كموت المؤمن له أو بقائه حياً بعد مدة معينة في حالة التأمين على الحياة ، وكاحتراق المنزل المؤمن عليه في حالة التأمين من الحريق ، وكرجوع المضرور على المؤمن له في حالة التأمين من المسئولية . فمبلغ التأمين وهو التزام في ذمة المؤمن هو المقابل لقسط التأمين وهو التزام في ذمة المؤمن له ، ومن ثم كان عقد التأمين عقداً ملزماً للجانبين . وهناك ارتباط وثيق بين مبلغ التأمين وقسط التأمين ، وقد رأينا عند الكلام في فن التأمين(   ) ، وفي حساب القسط الصافي(   ) ، أنقسط التأمين يحسب على أساس مبلغ التأمين ، وكلما كان مبلغ التأمين كبيراً كلما ارتفع قسط التأمين . ويلاحظ من الأمثلة التي تقدم ذكرها أن مبلغ التأمين ، وهو دين في ذمة المؤمن ، يكون تارة ديناً مضافاً إلى أجل غير معين ، وتارة يكون ديناً احتمالياً ، بحسب ما إذا كان الخطر المؤمن منه محقق الوقوع ولكن لا يعرف ميعاد وقوعه ، أو كان غير محقق الوقوع ، ففي التأمين على الحياة يكون الخطر المؤمن منه هو الموت ، وهو أمر محقق الوقوع ولكن لا يعرف ميعاد وقوعه ، فيكون مبلغ التأمين ديناً في ذمة المؤمن مضافاً إلى أجل غير معين . وفي التأمين من الأضرار ، سواء كان تأميناً على الأشياء كالتأمين من الحريق أو كان تأميناً من المسئولية ، يكون الخطر المؤمن منه – وهو وقوع الحريق مثلاً أو تحقق المسئولية – أمراً غير محقق الوقوع ، فيكون مبلغ التأمين ديناً احتمالياً في ذمة المؤمن .

وفي جميع الأحوال يكون مبلغ التأمين نقوداً ، فشركة التأمين إنما تتعهد بدفع مبلغ من النقود للمؤمن له أو للمستفيد عندمايتحقق الخطر المؤمن منه . وحتى إذا فرض أن شركة التأمين ، في بعض الحالات النادرة من أحوال التأمين على الأشياء ، لم تلتزم مباشرة بدفع مبلغ من النقود ، بل تعهدت بإصلاح الضرر عيناً ، فإن الأمر بالنسبة إلى شركة التأمين يؤول في النهاية إلى دفع مبلغ من النقود . ذلك أن الشركة لا تقوم بنفسها ، أي بواسطة عمالها ، بإصلاح الضرر عيناً ، وإنما هي في العادة تعهد إلى أحد المقاولين في أن يقوم بهذا الإصلاح في نظير مبلغ من النقود .ومن ثم ينتهي الأمر بالشركة إلى أن تدفع مبلغاً من النقود ، وإن كانت تدفع هذا المبلغ لا للمؤمن له بل للمقاول . وقد تتعهد الشركة ، إلى جانب التزامها الرئيسي بدفع مبلغ من النقود ، بأن تقوم بعمل . ويقع ذلك عادة في التأمين من المسئولية ، إذا اشترطت الشركة أن تتدخل في الدعوى التي يرفعها المضرور ضد المؤمن له لتتبين حقيقة الموقف ولتدافع عن المؤمن له ما وسعها ذلك . ففي هذه الحالة يكون ما تعهدت به الشركة هو أيضاً مبلغ من النقود فيما إذا تحققت مسئولية المؤمن ، ويضاف إلى ذلك تعهدها بالقيام بعمل هو التدخل في الدعوى والدفاع عن المؤمن له . ولكن هنا أيضاً يكون التزام الشركة الرئيسي هو دفع مبلغ من النقود ، ولا يكون التزامها بالدفاع عن المؤمن له إلا التزاماً إضافياً . فالشركة في جميع الأحوال تتعهد بدفع مبلغ من النقود ، وهذا التعهد إما أن يكون هو التعهد الوحيد ، وإما أن يكون هو التعهد الرئيسي .

بقي أن نبين هل هناك حدود للمبلغ الذي تتعهد الشركة بدفعه . وفي هذا الصدد يجب التمييز بين التأمين على الأشخاص والتأمين من الأضرار .

ففي على الأشخاص لا حدود للمبلغ الذي تتعهد الشركة بدفعه إلا في اتفاق الطرفين . فأي مبلغ اتفق عليه الطرفان تلتزم شركة التأمين بدفعه للمؤمن له أو للمستفيد عند وقوع الخطر المؤمن منه ، وهو الموت في حالة التأمين على الحياة ، والإصابة أو المرض في حالة التأمين من الإصابات أو المرض . فإذا تتفق المؤمن له مع شركة التأمين على أن تدفع له مبلغ ثلاثة آلاف من الجنيهات أو أكثر أو أقل فيما إذا بقي حياً بعد مدة معينة ، وأن تدفع لورثته أو من يعينهم من الأشخاص هذا المبلغ ذاته فيما إذا مات قبل انقضاء هذه المدة ، فإن شركة التأمين ، وقد حسبت أقساط التأمين الواجب على المؤمن له أن يدفعها سنوياً على أساس هذا المبلغ الذي تعهدت بدفعه له أو لورثته ، تكون ملزمة بدفع هذا المبلغ في الأجل المحدد . ويستوي في ذلك أن يكون المبلغ مساوياً للضرر الذي أصاب المؤمن له أو رثته ، أو أن يكون أقل من هذا الضرر ، أو أكثر منه . بل يستوي أن يكون هناك ضرر قد أحاق بالمؤمن له أو ورثته ، أو لم يكن هناك ضرر أصلا(   ) . ففي جميع الأحوال لا توجد أية علاقة بين مبلغ التأمين المتفق عليه وبين  ما عسى أن يحيق بالمؤمن له من ضرر ، وليس لمبلغ التأمين أية صفة تعويضية . ف التأمين على الأشخاص هو إذن تأمين القصد منه تكوين رأس مال عن طريق دفع أقساط معينة ، بصرف النظر عن الأغراض التي يستخدم فيها المؤمن له هذا المال . فقد يستخدمه لمواجهة تكاليف الحياة أو لإعانة ورثته على مواجهة هذه التكاليف كما هو الغالب ، وقد يستخدمه لزيادة موارده المالية ، وقد يستخدمه لغير ذلك من الأغراض . ومن ثم يستطيع المؤمن له أن يشترط أي مقدار ليكون مبلغ التأمين دون حد لذلك كما سبق القول ، مادام أنه يدفع لشركة التأمين الأقساط المقابلة . وإذا كان التأمين تأميناً من الإصابات ، وتحققت إصابة المؤمن له واستحق تعويضاً قبل المسئول ، فإنه بتحقق الإصابة يستحق أيضاً مبلغ التأمين ، ويجمع بين هذا المبلغ وبين التعويض المستحق له قبل المسئول . وليس لشركة التأمين أن ترجع على المسئول ، ولا أن تحل محل المؤمن له في الرجوع عليه . بل تلتزم بدفع مبلغ التأمين للمؤمن له وهو دين في ذمتها له في مقابل الأقساط التي دفعها ، ومصدر هذا الدين هو عقد التأمين . وتترك أيضاً المؤمن له يستولي على التعويض المستحق له قبل المسئول ، فهو دين في ذمة المسئول للمؤمن له ، ومصدر هذا الدين هو العمل غير المشروع الذي وقع من المسئول وكان سبباً في إصابة المؤمن له . فالمؤمن له هو إذن صاحب الحق في الدينين ، ولكل منهما مصدر يختلف عن المصدر الذي للآخر ، يطالب الشركة بمبلغ التأمين بناء على عقد التأمين ، ويطالب المسئول بالتعويض بناء على العمل غير المشروع . ويجوز أيضاً للمؤمن له أن يعقد تأمينات متعددة عند شركات مختلفة ، فيجمع بين مبالغ التأمين المتعددة التي ترتبت في ذمة هذه الشركات جميعاً ، ويضيف إليها التعويض الذي يستحقه قبل المسئول . وسنعرض لكل هذه المسائل تفصيلاً عند الكلام في التأمين على الأشخاص(   ) .

أما في التأمين من الأضرار فالأمر يختلف . وهناك حدود للمبلغ الذي تلتزم الشركة بدفعه للمؤمن له عند وقوع الضرر المؤمن منه . ذلك أن التأمين من الأضرار يخضع لمبدأ أساسي هو مبدأ التعويض ( principe indemnitaire ) فهو ذو صفة تعويضية بارزة . وأول حد لمبلغ التأمين في التأمين من الأضرار هو الاتفاق ، فيجب ألا يزيد المبلغ الذي تلتزم بدفعه الشركة على المبلغ المتفق عليه في عقد التأمين . وهذا حد مشترك بين التأمين امن الأضرار والتأمين على الأشخاص ، فقد رأينا في هذا التأمين الأخير أن مبلغ التأمين يتحدد هو أيضاً بالاتفاق أي بعقد التأمين . ولكن التأمين من الأضرار يزيد في الحدود التي يتقيد بها مبلغ التأمين بحدين آخر : ( الحد الأول ) هو ألا يزيد المبلغ الذي تلتزم شرة التأمين بدفعه على الضرر الذي لحق فعلاً بالمؤمن له ، وهذا ما تقضي به الصفة التعويضية التي لمبلغ التأمين والمبدأ الأساسي الذي يخضع له التأمين من الأضرار وهو مبدأ التعويض فيما أسلفنا الإشارة إليه . فإذا أمن شخص على منزله من الحريق بمبلغ عشرين ألف جنيه ، واحترق المنزل ، لم يستطع المؤمن له أولاً أن يحصل من شركة التأمين على أكثر من عشرين ألف جنيه وهو المبلغ المؤمن عليه ، حتى لو كانت قيمة المنزل وقت احتراقه تزيد كثيراً على هذا المبلغ . وليس هذا إلا تطبيقاً للحد الأول ، وهو الحد الذي يفرضه الاتفاق أي عقد التأمين . ولكن يضاف إلى ذلك حد آخر هو الحد الذي نحن بصدده ، وهو حد التعويض عن الضرر بمقدار هذا الضرر دون زيادة . فإذا فرض أن قيمة المنزل وقت احتراقه كانت قد نزلت إلى خمسة عشر ألف جنيه مثلاً ، فإن شركة التأمين لا تلتزم إلا بدفع هذا المبلغ لا أكثر ، وهذا بالرغم من أن المبلغ المؤمن عليه هو عشرون ألفاً والأقساط التي كان المؤمن له يدفعها حسبت على أساس هذا المبلغ . والعلة في ذلك فكرة أساسية في التأمين من الأضرار ، يقوم عليها نفس المبدأ الأساسي وهو مبدأ التعويض . وهذه الفكرة هي أن التأمين من الأضرار لا يصح أن يكون مصدراً لإثراء المؤمن له ، فهو لا يتقاضى من شركة التأمين إلا مبلغاً لا يزيد بحال على قيمة الضرر الذي أصابه . وإلا فإن الزيادة تكون إثراء للمؤمن له ، قد يغريه على أن يقدم على إحراق منزله عمداً مع إخفاء ذلك ، حتى يتمكن من الحصول على مبلغ يزيد على الضرر الذي لحق به . فالفكرة كما نرى تتصل اتصالا وثيقاً بالمصلحة العامة ، ومن ثم تعتبر القاعدة التي تقضي بألا يزيد المبلغ الذي تدفعه الشركة على قيمة الضرر من النظام العام ، فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفها . ويترتب على هذه القاعدة نتائج هامة هي عكس ما قدمناه في التأمين على الأشخاص . فإذا فرضنا مثلاً أن هناك شخصاً مسئولاً عن حريق المنزل يستطيع المؤمن له أن يرجع عليه بالتعويض ، لم يجز أن يجمع المؤمن له بين مبلغ التأمين المستحق له في ذمة الشركة وبين مبلغ التعويض المستحل له في ذمة المسئول . وهو إذا تقاضى من شركة التأمين المبلغ المستحق له في ذمتها ، حلت الشركة محله بمقدار ما دفعته في الرجوع على المسئول . وإذا أمن صاحب المنزل على منزله من الحريق في شركات متعددة ، لم يجز له أن يستولي منها جميعاً على مبلغ يزيد بحال على قيمة الضرر الذي لحق به . وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام في مبدأ التعويض في التأمين من الأضرار (   ) . هذا هو الحد الأول ، وهو مبدأ التعويض أو الصفة التعويضية . وهناك ( الحد الثاني ) وهو قاعدة النسبية ( régle proportionnelle ) . وترجع في توضيح ذلك إلى المثل الذي قدمناه ، ونفرض أن المنزل عندما احترق كانت قيمته ثلاثين ألفاً ، فالمؤمن له لا يتقاضى من شركة التأمين إلا عشرين ألفاً وهو المبلغ المؤمن عليه . فإذا فرضنا أن المنزل لم يحترق إلا نصفه ، وكانت قيمة هذا النصف المحترق خمسة عشر ألفاً ، فهل يقبض المؤمن له من شركة التأمين مبلغ خمسة عشر ألفاً وهو قيمة الضرر الذي لحق به دون زيادة ، ثم هو في الوقت ذاته أقل من المبلغ المؤمن عليه ، فيكون المبلغ الذي تدفعه الشركة قد توافر فيه الشركان : لم يزد على المبلغ المؤن عليه ولم يزد في الوقت ذاته علىالضرر الذي أصاب المؤمن له ؟ هنا تأتي قاعدة النسبية ، فتحور إلى حد كبير من هذا الحل الذي يبدو لأول وهلة حلاً معقولاً . فالمؤمن له لا يتقاضى من الشركة إلا بمقدار ما احترق من المنزل منسوباً إلى المبلغ المؤمن عليه ، لا إلى قيمة المنزل بأكمله . والمبلغ المؤمن عليه في الفرض الذي نحن بصدده هو عشرون ألفاً ، وقد احترق من المنزل نصفه ، فيتقاضى المؤمن له من الشركة نصف المبلغ المؤمن عليه ، أي أنه يتقاضى عشرة آلاف لا خمسة عشر ألفاً . وليست قاعدة النسبية هذه ، بخلاف مبدأ الصفة التعويضية ، من النظام العام ، فيجوز الاتفاق على ما يخالفها . فيشترط المؤمن له على الشركة أن يتقاضى مبلغاً يعوض كل الضرر الجزئي الذي اصابه مادام لا يزيد على مبلغ التأمين ، أي يتقاضى خمسة عشر ألفاً لا عشرة آلاف في الفرض الذي نحن بصدده . وسنعود إلى ذلك كله عند الكلام في قاعدة النسبية في صدد الكلام في آثار عقد التأمين على الأشياء(   ) .

564 – المصلحة وهل هي عنصر يجب توافره في جميع أنواع التأمين ؟ المقصود بالمصلحة هنا هو أن يكون للمؤمن له أو للمستفيد مصلحة في عدم وقوع الخطر المؤمن منه ، ومن أجل هذه المصلحة أمن من هذا الخطر ، حتى إذا وقع واصطدم وقوعه مع المصلحة في عدم وقوعه ، فلحق المؤمن له أو المستفيد ضرر من وراء ذلك ، رجع بتعويض هذا الضرر على شركة التأمين . ومن ثم ذهب رأي إلى أن المصلحة هي العنصر الرابع من عناصر التأمين ،وهو عنصر يجب أن يتوافر في جميع أنواعه . وأيد هذا الرأي بعض الفقهاء في مصر(   ), مستندين في ذلك إلى أن المشرع المصري قد عرض لعنصر المصلحة في المكان المخصص للأحكام العامة ، فنصت المادة 749 مدني على أن "يكون محلاً للتأمين كل مصلحة اقتصادية مشروعة تعود على الشخص من عدم وقوع خطر معين" . فدل بذلك على أن المصلحة عنصر مطلوب توافره في جميع أنواع التأمين ، إذ النص عام مطلق لا يميز بين نوع ونوع . وهو بإطلاق عبارته وبمكانه بين الأحكام العامة ينصرف إلى جميع الأنواع ، ويجعل المصلحة عنصراً فيها دون تمييز .

ولكن الرأي السائد هو أن المصلحة ليست عنصراً إلا في التأمين من الأضرار ، أما التأمين على الأشخاص فلا يشترط فيه توافر عنصر المصلحة . ولا تظهر أهمية اشتراط المصلحة عنصراً في التأمين على الأشخاص إلا في حالة التأمين على حياة الغير ، ففي هذه الحالة وحدها يجوز التساؤل عما إذا كان من الضروري أن يكون للمؤمن له مصلحة في بقاء المؤمن على حياته . والظاهر أن المشرع المصري لم يشترط إثبات أن يكون للمؤمن له مصلحة في حياة الغير . وإذا كان يخشى من وراء ذلك أن يكون هذا دافعاً للمؤمن له إلى أن يتسبب في وفاة الغير عمداً مادام أنه لا مصلحة له في بقائه حياً ، بل هو على العكس من ذلك يفيد م موته إذ يستحق مبلغ التأمين ، فقد عالج المشرع المصري هذا المحظور عن طريق آخر . فنص ف يالمادة 757 مدني على أنه "1- إذا كان التأمين على حياة شخص غير المؤمن له ، برئت ذمة المؤمن من التزاماته متى تسبب المؤمن له عمداً في وفاة ذلك الشخص ، أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه . 2- وإذا كان التأمين على الحياة لصالح شخص غير المؤمن له ، فلا يستفيد هذا الشخص من التأمين إذا تسبب عمداً في وفاة الشخص المؤمن على حياته ، أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه . فإذا كان ما وقع من هذا الشخص مجرد شروع في إحداث الوفاة ، كان للمؤمن له الحق في أن يستبدل بالمستفيد شخصاً آخر ، ولو كان المستفيد قد قبل ما اشترط لمصلحة من تأمين" . ونرى من ذلك أنه حيث يكون المستفيد من التأمين شخصاً غير الشخص المؤمن على حياته ، فيخشى من أن يعتدي الأول على حياة الثاني ، جعل المشرع لهذاالاعتداء جزءاهو أن يرد على المعتدي قصده ، فيحرمه من الفائدة التي كان يبغيها من وراء هذا الاعتداء . ثم إن المشرع المصري من جهة أخرى ، وإمعاناً في الاحتياط ، اشترط في حالة التأمين على حياة الغير موافقة هذا الغير كتابة قبل إبرام العقد ( م 755 مدني ) . وأراد بذلك أن ينبه الغير المؤمن على حياته إلى ما قد يتعرض له من الخطر ، فإذا ما وافق هذا على التأمين فقد دل بذلك على أنه لا يخشى شراً وأنه مطمئن على حسن نية المؤمن له . وسنعود إلى شرح هذه النصوص عند الكلام في التأمين على الحياة(   ) .

أما ما يستند إليه أنصار من يذهب في الفقه المصري إلى أن المصلحة عنصر في جميع أنواع التأمين ، من أن المادة 749 مدني جاءت عامة مطلقة وأنها اتخذت مكانها بين الأحكام العامة ، فذلك مردود في كل من شقيه . أما أنها وردت عامة مطلقة ، فيرد عليه بأنها جعلت محل التأمين "كل مصلحة اتقصادية" ، والمصلحة الاقتصادية لا تقوم إلا في التأمين من الأضرار . أما التأمين على الأشخاص فالمصلحة فيه ، إن اشترطت ، لا تكون مصلحة اقتصادية ، وإنما تكون مصلحة معنوية . وهذا قاطع في أن المشرع المصري إنما قصد أن تتوافر المصلحة ، بعد أن نعتها بأنها مصلحة اقتصادية ، في التأمين من الأضرار دون التأمين على الأشخاص . وقد أحس أنصار هذا الرأي المعارض قوة هذه الحجة ، فذهبوا إلى أن المشرع المصري لم يحالفه التوفيق عندما اشترط أن تكون المصلحة مصلحة اقتصادية(   ) . وأما أن النص قد ورد بين الأحكام العامة فيلزم من ذلك أن يسري على جميع أنواع التأمين ، فليس في هذه الحجة غناء ، إذ ورد من الأحكام العامة ما لا يسري على جميع أنواع التأمين ، في أمر غير المصلحة . وتشير بذلك إلى المادة 751 مدني بين الأحكام العامة لم يمنع من أن تكون مقصورة على التأمين من الأضرار ، فلماذا لا تقول مثل ذلك أيضاً في المادة 749 مدني التي تشترط أن يكون محل التأمين مصلحة اقتصادية . فلا يكون ورودها بين الأحكام العامة مانعاً من أن تكون مقصورة على التأمين من الأضرار دون التأمين من الأشخاص(   ) .

$1156 من ذلك نرى أن المشرع المصري لم يقصد أن يجعل من المصلحة عنصراً مشتركاً في جميع أنواع التأمين ، وأن المادة 749 مدني عندما تكلمت عن المصلحة الاقتصادية المشروعة التي تكون محلاً للتأمين إنما أرادت أن يكون ذلك مقصوراً على التأمين من الأضرار . ومن أجل هذا نجعل بحثنا في المصلحة كما تضمنتها المادة 749 مدني في مكانه الطبيعي عند الكلام في التأمين من الأضرار ، وسنرى هناك أن مبدأ المصلحة هو من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التأمين على الأشياء(   ) .

565 – تقسميات التأمين :  ولتأمن إما تأمين اجتماعين وإما تأمين خاص . فالتأمين الاجتماعي نتظم العمال ، ويؤمنهم من إصابات العمل ومن المرض والعجز والشيخوخة ، ويساهم فيه إلى جانب العمال أصحاب العمل والدولة ذاتها ، وتتولى الدولة تنظيمه وإدارة شؤونه . ولا شأن لنا به هنا ، فمكان بحثه يكون عند الكلام في قانون العمل . أما التأمين الخاص فتقوم به الشركات الجمعيات التبادلية ، وإذا كانت شركات التأمين في مصر قد أممت جميعاً وأصبحت تابعة للقطاع العام وصارت المؤسسات العامة هي التي تدير شؤونها ، إلا أن شركات التأمين المؤممة بقيت تدار على النحو الذي كانت تدار به قبل التأميم ، ومن ثم لا يمانع من أن نستبقي لها اسم "التأمين الخاص" للمقابلة بينها وبين التأمينات الاجتماعية .

والتأمين الخاص إما أن يكون تأميناً بحرياً ( assurance maritime ) ويتعلق بالنقل عن طريق البحر ويكون تأميناً على البضائع أو على السفن ذاتها ، ويلحق به النقل عن طريق الأنهار والترع والقنوات ( assurance fluviale ) . وإما أن يكون تأميناً برياً ( assurance terrestre ) ، ويلحق به في كثير من أحكامه التأمين الجوي ( assurance aérienne ) .

والتأمين البحري ، وقد سبق التأمين البري كما رأينا فيما تقدم(   ) ، لا شأن لنا به هنا أيضاً ، فهو خاضع للتقنين البحري في الباب الحادث عشر ( المواد 173 – 234 ) ، ويدخل إذن في مباحث القانون البحري .

والذي نستبقيه للبحث هو التأمين الخاص البري وحده ، بعد أن استبعدنا من جهة التأمينات الاجتماعية وتقابل التأمين الخاص ، وبعد أن استبعدنا من جهة أخرى التأمين البحري ويقابل التأمين البري(   ) .

والتأمين الخاص البري ، الذي نقف عنده هنا ، ينقسم إلى قسمين رئيسيين : ( ا ) التأمين على الأشخاص ( assurance de personnes ) . ( ب ) والتأمين من الأضرار ( assurance de dommages ) (   ) .

( ا ) فالتأمين على الأشخاص هو تأمين يتعلق بشخص المؤمن له ، فيؤمن نفسه من الأخطار التي تهدد حياته أو سلامة جسمه أو صحته أو قدرته على العمل . وهذا التأمين كما قدمنا ليست له صفة تعويضية ، فلا يخضع لمبدأ التعويض . ويستولي المؤمن له على مبلغ التأمين المتفق عليه بأكمله إذا تحقق الخطر المؤمن منه ، دون نظر إلى قيمة الضرر الذي أصابه ، بل حتى إذا لم يصب بأي ضرر ، وقد تقدم ذكر ذلك .

ويتفرع هذا القسم إلى فرعين : ( 1 ) التأمين على الحياة ( assurance sue la vie ) ، ويكون تأميناً لحالة الوفاة أو تأميناً لحالة البقاء أو تأميناً مختلطاً على النحو الذي سنبينه تفصيلاً عند الكلام في التأمين على الحياة . ( 2 ) التأمين من الإصابات ( assurance contre les accidents corporals ) ، ويكون تأميناً من الإصابات التي تقع بحياة الإنسان أو بجسمه نتيجة لسبب خارجي مفاجئ ، فيستولى المؤمن له على مبلغ التأمين إذا تحققت الإصابة المؤمن منها كأن يموت في حادث مفاجئ أو يصاب في جسمه بما يسبب عجزه عن العمل عجزاً دائماً أو عجزاً مؤمقتاً . ويلحق بالتأمين من الإصابات التأمين من المرض ( assurance contre le maladie ) ، فيؤمن الشخص نفسه من العجز عن العمل الذي يترتب على المرض ، وتدخل في ذلك نفقات العلاج .

( ب ) والتأمين من الأضرار هو تأمين لا يتعلق بشخص المؤمن له بل بماله ، فيؤمن نفسه من الأضرار التي تصيبه في المال ، ويتقاضى من شركة التأمين تعويضاً عن هذا الضرر . والتأمين من الأضرار ، كما قدمنا ، له صفة تعويضية بارزة ويخضع لمبدأ التعويض ، فلا يجوز للمؤمن له أن يتقاضى تعويضاً من شركة التأمين إلا إذا لحق به ضرر في ماله وفي حدود قيمة هذا الضرر . ولابد من مصلحة اقتصادية مشروعة تكون محلاً للتأمين .

ويتفرع هذا القسم إلى فرعين : ( 1 ) التأمين على الأشياء ( assurance de choses ) ، ويكون تأميناً من الأضرار التي تقع بشيء معين ، كتأمين المنزل من الحريق والمزروعات من التلف والمواشي من الموت والتأمين من السرقة والتبديد وتأمين الدين . ( 2 ) التأمين من المسئولية ( assurance de responsabilité ) ، فيؤمن الشخص نفسه من الضرر الذي يصيبه في ماله فيما إذا تحققت مسئوليته قبل المضرور ورجع عليه هذا بالتعويض . فشركة التأمين لا تعوض المضرور نفسه ، والذي يعوضه هو المؤمن له ، ثم تأتي شركة التأمين بعد ذلك لتعوض المؤمن له ما غرمه لتعويض المضرور . والمسئوليات التي يؤمن الشخص نفسه منها كثيرة متنوعة ، فقد يؤمن نفسه من مسئوليته عن حوادث سيارته ، أو من مسئوليته عن الحريق ، أو من مسئوليته المهنية ، أو من مسئوليته عن حوادث النقل . أما مسئولية رب العمل عن حوادث العمل فهذه تدخل ضمن التأمين الاجتماعي . ومن بين هذه المسئوليات ما يكون التأمين منه إجبارياً ، كالتأمين من حوادث العمل والتأمين من حوادث السيارات(   ) .

وسنتناول بالبحث التفصيلي فيما يلي هذه الفروع المختلفة من التأمين .

566 – التنظيم التشريعي لعقد التأمين – نصوص قانونية : لم يكن التقنين المدني القديم يحتوي أصلاً على نصوص في عقد التأمين ، وقد ترك هذا العقد على أهميته الكبيرة للقضاء والعرف . وكان القضاء يطبق في الغالب القواعد العامة(   ) والمألوف من الشروط في عقود التأمين التي تبرمها الشركات مع المؤمن لهم ، ويستعين ببعض أحكام القوانين الأجنبية ، وبخاصة أحكام القانون الفرنسي في عقد التأمين الصادر في 13 يوليه سنة 1930(   ) .

$ 1160 ولكن هذا لم يكن كافياً ، إذ كثيراً ما ترد في عقود التأمين التي تبرمها الشركات مع عملائها شروط تعسفية ، ولم يكن هناك في التقنين المدني القديم نصوص تجعل من عقد التأمين عقد إذعان فتحمي الجانب الضعيف وهو المؤمن له من الجانب القوي وهو شركة التأمين . ومن ثم كان عقد التأمين في المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد محل عناية كبرة ، وقد اقتبست نصوص المشروع من مختلف القوانين التي نظمت عقد التأمين في العصر الحديث ، وبخاصة القانون الفرنسي الصادر في 13 يوليه سنة 1930 والقانون السويسري الصادر في 2 أبريل سنة 1908(   ) . وقد بلغت مواد المشروع التمهيدي في عقد التأمين تسعاً وتسعين مادة . واستهل المشروع الفصل المخصص لعقد التأمين بنصوص تناولت أحكام العقد العامة ، وما يترتب عليه من التزامات بعضها يقع على عاتق المؤمن له وبعضها ينشأ في ذمة المؤمن . ثم أفرد المشروع لكل فرع من فروع التأمين نصوصاً خاصة . فنظم التأمين على الحياة في فرع على حدة ، استوعب فيها أحكامه . ثم نظم التأمين من الحريق وهو أظهر أنواع التأمين من الأضرار ، وجعل من نصوصه أحكاماً عامة تنطبق على التأمين من الأضرار بوجه عام . وفي فرعين أخيرين نظم المشروع التأمين من المسئولية وهو فرع من التأمين من الأضرار ، والتأمين من الإصابات وهو فرع من التأمين على الأشخاص(   ) .

 

ولما عرض المشروع التمهيدي على لجنة المراجعة ، حذفت منه كثيراً من النصوص اعتبرتها نصوصاً تفصيلية تغني عنها القواعد العامة . وبالرغم من هذا الحذف بقي المشروع النهائي في عقد التأمين مشروعاً متماسكاً يورد الأحكام الهامة ، ويتناول كثيراً من التفصيلات العملية . وقد هبطت المواد التسع والتسعون التي كان المشروع التمهيدي يشتمل عليها إلى اثنتين وستين مادة تضمنها المشروع النهائي .

ولكن الفجيعة في نصوص المشروع التمهيدي كانت على يد لجنة القانون المدني في مجلس الشيوخ ، فقد أخذت هذه اللجنة تبتر من المشروع نصاً بعد الآخر حتى أتت على أكثره ، ولم تبق من المواد أكثر من خمس وعشرين(   ) .

وهذه النصوص المبتورة هي التي خرج بها التقنين المدني الجديد ، مع وعد سجل في المادة 748 مدني بإصدار قوانين خاصة تكميلية ، فيقول هذا النص : "الأحكام المتعلقة بعقد التأمين التي لم يرد ذكرها في هذا القانون تنظمها القوانين الخاصة"(   ) .

وقد أعدت الحكومة ( وزارة الاقتصاد ) فعلاً مشروع قانون أعيد فيه كثيراً من النصوص المحذوفة من المشروع التمهيدي ، وقد أخذ هذا المشروع يجتاز مراحله التشريعية(   ) . لذلك سنعتبر نصوصه مكملة لنصوص التقنين المدني ، ونوردها تحت اسم "مشروع الحكومة" .

وقد عني المشرع المصري ، في التقنين المدني الجديد وفي مشروع الحكومة ، عناية خاصة بحماية المؤمن لهم من تعسف شركات التأمين ، فأورد نصوصاً كثيرة تحقق هذا الغرض . وإمعاناً منه في هذه الحماية نص في المادة 753 مدني كما رأينا على ما يأتي : "يقع باطلاً كل اتفاق يخالف أحكام النصوص الواردة في هذا الفصل ، إلا أن يكون ذلك لمصلحة المؤمن له أو لمصلحة المستفيد"(   ) . ونصت المادة الثانية من مشروع الحكومة في هذا المعنى أيضاً على ما يأتي : "يقع باطلاً كل اتفاق يخالف أحكام هذا القانون ، إلا أن يكون ذلك لمصلحة المؤمن له أو المستفيد"(   ) . ويتبين من ذلك أن النصوص التي تنظم عقد التأمين ، سواء في التقنين المدني أو في مشروع الحكومة ، تعتبر من النظام العام ، ولكن لمصلحة المؤمن له وحده دون مصلحة المؤمن . ومن ثم لا يجوز الاتفاق على مخالفة هذه النصوص أو على تعديلها إذا كان ذلك في مصلحة المؤمن له ، ولا يجوز الاتفاق على المخالفة أو التعديل إذا كان ذلك في مصلحة المؤمن . وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد : "وأحكام هذا الفصل آمرة في مصلحة المؤمن له لا في مصلحة المؤمن ، فالمشروع قد قصد إلى حماية المؤمن لهم حماية خاصة ، تقوم إلى جانب ما يحققه القانون رقم 92 لسنة 1939 ( وهو القانون الخاص بالإشراف والرقابة على هيئات التأمين وقد حلت محله تشريعات لاحقة سبق بيانها ) من رقابة على الشروط التي تفرضها شركات للتأمين"(   ) .

كتابة تعليق