البيع مفرزا من الشريك مشاعا

+ حجم الخط -
البيع مفرزا من الشريك مشاعا
البيع مفرزا من الشريك مشاعا
الخلاف حول حق الشريك فى الشفعة إذا باع شريك آخر مفرزاً : فذهب رأى - إلى أنه يجوز طلب الشفعة. وتتلخص حجج أنصار هذا الرأى فى أن بيع الجزء المفرز صحيح، ويترتب عليه أن يصبح المشترى شريكاً، كما أن نص المادة 936 مدنى يثبت الشفعة للشريك فى الشيوع إذا بيع شئ من العقار الشائع. وهذا التعبير كما يصدق على بيع الحصة الشائعة يصدق على بيع الجزء المفرز. وأخيراً يقولان إن منع الشفعة فى هذه الحالة يؤدى إلى التحايل على أحكام الشفعة، إذ يستطيع الشريك الذى يريد البيع ويفوت على شركائه فرصة أخذ المبيع بالشفعة أن يبيع نصيبه مفرزاً(2). وذهب رأى آخر(3) - وهو الذى يفضله الدكتور منصور مصطفى منصور - أن الشفعة لا تجوز فى هذه الحالة فليس صحيحاً - كما رأينا من قبل - أن التصرف فى جزء مفرز يؤدى إلى أن يصبح المتصرف إليه شريكاً مع شركاء المتصرف. ومادام الأمر كذلك فتنتقى الحكمة من إعطاء باقى الشركاء الشفعة لأن الحكمة - كما رأينا - هى منع دخول الأجنبى بين الشركاء، ولهذا نجد المشرع يصرح فى المادة 833 مدنى بخصوص حق الاسترداد أنه لا يجوز إلا عند بيع الحصة الشائعة، وليس هناك ما يبرر التفرقة فى هذا الخصوص به حق الاسترداد والشفعة لأن الحكمة منهما واحدة ولهذا نرى بالرغم من عموم نص المادة 936 (ب) مدنى قصر الشفعة على حالة بيع حصة شائعة من العقار المملوك على الشيوع. ولا تثبت الشفعة لصاحب الإنتفاع إلا فى الرقبة الملابسة لحقه كلها أو بعضها فإذا كانت الرقبة لشخص واحد، والإنتفاع لشخص واحد كذلك، وبيعت الرقبة كان لصاحب الإنتفاع أن يشفع فيها. وإذا كانت الرقبة شائعة بين عدة شركاء وباع أحدهم حصته فيها، كان لصاحب الإنتفاع أن يشفع أن الرقبة المبيعة هى بعض الحق الملابس لحق الإنتفاع. وإذا كان الإنتفاع شائعاً بين عدة شركاء وبيعت الرقبة كلها لأصحاب الإنتفاع مجتمعين أن يشفعوا حيث يكون استحقاق كل منهم على قدر نصيبه، ولكن ليس لكل واحد من أصحاب الإنتفاع أن يشفع فى كل الرقبة لأن حقه لا يلابس بعض المبيع. وكما تثبت الشفعة لصاحب الإنتفاع إذا ما بيعت الرقبة، فهى تثبت كذلك لكل من صاحب حق الإستعمال وصاحب حق السكنى (م 998 مدنى كما تثبت الشفعة لمالك الرقبة فى الحكر إذا بيع حق الحكر وللمستحكر إذا بيعت الرقبة. والحكمة من تقرير الشفعة فى الحالتين هى جمع ما تفرق من عناصر الملكية فى يد واحدة. إلا أن الشفعة فى الحالتين نادرة(4) 3- لا يمكن أن يزاحم مالك الرقبة فى أخذه حق الإنتفاع بالشفعة شخص آخر، فلو تعدد المنتفعون وباع أحدهم نصيبه فى الإنتفاع لأجنبى، كان لمالك الرقبة وحدة - فى رأى البعض - أخذ هذا النصيب بالشفعة، ولم يكن لسائر الشركاء فى الإنتفاع حق طلب الشفعة. فالشريك فى الإنتفاع ليس له - فى رأيهم - حق طلب الشفعة إذا باع شريك نصيبه فى الإنتفاع. أما عندما يرون أن الشريك فى الإنتفاع يكون له حق طلب الشفعة إذا باع شريكة فى الإنتفاع نصيبه، فإنه إذا تعدد المنتفعون وباع أحدهم نصيبه لأجنبى، فإن الشريك فى الإنتفاع يكون له حق طلب الشفعة، كما يكون لمالك الرقبة كذلك حق طلب الشفعة وعند التزاحم يفضل مالك الرقبة، لأن المادة 936 مدنى قد جعلت مالك الرقبة متقدماً فى الترتيب على الشريك المشتاع. وكذلك لا يمكن أن يزاحم مالك الرقبة جار ملاصق، إذ الجار الملاصق لا يستطيع أن يشفع فيما لو كان الذى انتقل إلى غيره من العقار المجاور هو مجرد حق إنتفاع: وإنما له يشفع فقط فى بيع ملكية العقار. ولاحظ أن حق الشفعة يثبت لمالك الرقبة، سواء بيع حق الإنتفاع الملابس لها الأجنبى أو الشريك فى الإنتفاع. يأتى بعد مالك الرقبة فى عداد الشفعاء: الشريك فى الشيوع إذا بيع شئ من العقار الشائع إلى أجنبى (م 936 مدنى ب). وقد ذهب قضاء النقض إلى أنه يعد شريكاً على الشيوع من تلقى جزءاً مفرزاً عن شريك مشتاع، فإذا باع شريك آخر حصته الشائعة فى العقار لم يكن لمشترى الجزء المفرز أن يطالب بالشفعة فى هذا البيع على أساس الاشتراك فى الشيوع (نقض - جلسة 30/11/1950 - مجموعة المكتب الفنى - السنة 2 - مدنى - ص 109، ونقض - جلسة 25/2/1953 - المرجع السابق - السنة 4 - ص 1178، ونقض - جلسة 15/1/1959 - المرجع السابق - السنة 10 - ص 43). وقد جرى البحث فيما إذا كان يجوز للشريك المشتاع فى حق الإنتفاع أن يطلب الشفعة إذا نزل عن حقه فى الإنتفاع لأجنبى - ذهب البعض إلى أن عبارة الشريك فى الشيوع تشمل الشريك فى حق الإنتفاع، كما تشمل الشريك فى حق الملكية، لأن كليهما شريك فى العقار شريك فى العقار المبيع ولأن المصلحة فى استبعاد الأجنبى عند قيام حالة الشيوع متحققة فى حالة الإنتفاع كما هى متحققة فى حالة الملكية. بينما ذهب رأى آخر إلى عدم إعطاء الشريك فى الإنتفاع الحق فى الشفعة. وكان الدكتور البدراوى من هذا الرأى الثانى، ولكنه أصبح يميل الآن إلى الرأى الأول وهو الرأى السائد فى الفقه الآن، لأن عبارة الشريك فى الشيوع تشمل الشريك فى حق الإنتفاع كما تشمل الشريك فى حق الملكية، فكلاهما شريك فى العقار المبيع، والمصلحة فى استبعاد الأجنبى عند قيام حالة الشيوع متحققة فى حالة الإنتفاع كما هى متحققة فى حالة الملكية. ولكن لو باع أحد الشركاء حصة مفرزة لأجنبى، فهل يستطيع سائر الشركاء المطالبة بالشفعة فيها؟ يذهب البعض إلى أنه لو باع الشريك حصة مفرزة من العين، فإن حق الشفعة لا يثبت للشريك على الشيوع فى هذه الصورة، وكل ما له هو أن يطلب فى هذه الحالة قسمة العقار حتى إذا ما وقعت الحصة المفرزة بجوار حصته هو وتوافرت شروط الجوار التى نص عليها القانون كان له أن يشفع بصفته جاراً مالكاً فى الجزء المبيع وإلا فلا وبهذا حكمت بعض المحاكم ويؤيدها فى هذا القضاء بعض الشراح بقولهم إن الشفعة قد تقررت للشريك المشتاع الذى يريد التخلص من مشاركة الأجنبى له فى حقه. أما إذا استقر الحق فى حير معين، فإن طريق التخلص من صاحبه لا يكون إلا إذا توافرت شروط الجوار. على أن بعض المحاكم الأخرى قضت بجواز الأخذ بالشفعة فى حالة بيع الحصة المفرزة، لأن البيع الواقع على التحديد (أى بيع الحصة مفرزة) لا يحتج به على سائر الشركاء، بل يعتبر صحيحاً فى الشيوع فقط إلا إذا أجازه سائر الشركاء، فالبيع على التحديد لا يمنع باقى الشركاء من إستعمال جميع الحقوق المخولة لهم قانوناً كحق الشفعة، ولو جاز غير ذلك لاستطاع كل شريك بطريق الغش والتدليس أن يبيع حصته المفرزة فيحرم باقى الشركاء حق، وهذا ما لا يجوز عقلاً أو قانوناً. وهذا الرأى الثانى هو الذى مع تحليل الدكتور البدراوى للتصرف فى حصة مفرزة، ولذ فهو يؤيده، خصوصاً وأن نص المادة 936/ب مدنى الذى يذكر من بين الشفعاء الشريك فى الشيوع لم يقصر حقه فى الأخذ بالشفعة على حالة بيع حصة شائعة فى العقار، بل هو يذكر بالحرف: "إذا بيع شئ من العقار الشائع إلى أجنبى". فالشريك على الشيوع له الأخذ بالشفعة متى بيع شئ من العقار الشائع إلى أجنبى، سواء أكان هذا الشئ المبيع حصة شائعة أو قدراً مفرزاً. والراجح فى نظر الدكتور البدراوى أن الشفعة تجوز بالبناء ولو بيع مستقلاً عن الأرض القائم عليها، فلو بيعت الأرض مع البناء الذى عليها أو بيعت الأرض من غير البناء، أو بيع البناء من غير الأرض، فإنه يجوز للجار أن يطالب بالشفعة، ذلك لأنه بالنسبة للعقار المشفوع لم يحتم القانون أن يكون أرضاً، فقد جاء فى المادة 936/هـ مدنى أن الشفعة تثبت للجار إذا كانت العقارات من المبانى أو من الأراضى المعدة للبناء، ولم يرد فيها ما يستفاد منه وجب أن يكون البناء تابعاً للأرض. أما العقار المشفوع به - وهو عقار الشفيع - فإن القانون لم يخص نوعه، فالشفعة تثبت للجار المالك، والجار المالك قد يكون مالكاً لعقار من المبانى أو الأرض فيصح أن يكون طالب الشفعة مالكاً للبناء دون الأرض، وبناء على ذلك إذا بيع عقار، فإنه يجوز لكل من مالك الأرض المجاورة ولمالك البناء المجاور - إن لم تكن الأرض والبناء لمالك واحد - أن يطلبا الشفعة.
وعلى هذا الأساس قضت محكمة النقض بجلسة 12 يناير سنة 1950 (نقض - مجموعة المكتب الفنى - السنة 1 - مدنى ص 166) بأن: "عقد البيع غير المسجل يولد فى ذمة البائع التزاماً بتسليم المبيع، وبالوفاء به قد يصبح المبيع فى حيازة المشترى له أن ينتفع به بجميع وجوه الإنتفاع ومنها البناء على سبيل البقاء والقرار. ومتى أحدث المشترى بناء على الأرض المبيعة له يصبح هذا البناء عقاراً ملكاً له، ملكية مصدرها واقعة البناء على سبيل البقاء والقرار، ومن ثم يقوم به سبب الشفعة بوصفه جاراً مالكاً للبناء، ولا مخالفة فى ذلك لقانون التسجيل، ذلك أن الشفيع مشترى الأرض بعقد غير مسجل لا يؤسس حقه فى طلب الشفعة على عقد شرائه، وإنما يقيمه على ملكية البناء استقلالاً عن الأرض. كما لا مخالفة لأحكام الملكية بالإلتصاق قولاً بأن بائع الأرض يعتبر فى حكم القانون وبالنسبة للكافة هو وحده مالك البناء الذى أقامه المشترى الذى لم يسجل عقد شرائه، ذلك لأن القانون إذ يعتبر مالك الأرض مالكاً بفعل الإلتصاق إنما يقرر فى صالح مالك الأرض قرينة غير قاطعة قابلة لإثبات العكس، كما خول مالك الأرض لمستأجرها الحق فى إقامة المنشآت وتملكها فإنه فى هذه الحالة يعتبر مالكاً لما يقيمه من بناء على إعتبار أنه عقار. فمناط تطبيق قواعد الإلتصاق لا يكون ثمة إذن صريح أو ضمنى من مالك الأرض للغير بإحداث هذا البناء، فحيثما وجد اتفاق أو امتنع التحدى بقواعد الإلتصاق وفقاً لأحكام المادة 65 من القانون المدنى القديم، ووجب إعتبار البناء عقاراً مستقلاً عن الأرض وملكاً خالصاً لمن أقامه. ولا نزاع فى أن البائع، وهو ملتزم بتسليم المبيع للمشترى وعدم التعرض له، إذا ما أوفى بهذا الالتزام، فقد نقل إلى المشترى حيازة المبيع، وكان لهذا الأخير أن ينتفع به وبكافة وجوه الإنتفاع ومنها البناء على سبيل البقاء والقرار". لكن ما الحكم إذا احتفظ لنفسه بقطعة صغيرة من الأرض حتى يفوت على الجار إستعمال حقه فى الشفعة؟ وما الحكم إذا باع البائع أرضه إلا جزءاً فاصلاً بين العقارين وهبه للمشترى أيضاً ليفوت على الجار حق الشفعة؟ فى هاتين الحالتين ومثيلاتهما يستعمل البائع والمشترى بعض الحيل لإسقاط حق الشفعة، فهل تبقى الشفعة رغم ذلك؟ اختلفت المحاكم. فذهب البعض منها إلى أن الشفعة حق ضعيف أى رخصة استثنائية، وأن الشرعيين أجازوا إستعمال الحيل فى إسقاطها، وهى لهذا ترى عدم جواز الشفعة فى هذه الحالات لانعدام الإلتصاق. بينما ذهبت بعض المحاكم وخصوصاً المختلطة إلى أنه حيث يكون الجزء المتروك من الأرض المبيعة صغيراً بحيث لا يمكن الإنتفاع به، كان مسلك البائع تحايلاً منه على القانون، ومن ثم لا يمتنع الأخذ بالشفعة. ويبدو أن الرأى الثانى - فى نظر الدكتور البدراوى - هو الرأى السليم، لأن الشفعة وقد أقرها القانون المدنى ونظمها فإنه لا يجوز التحايل على إسقاطها، وفضلاً عن ذلك فإن فقهاء الشريعة من أبطل الحيل لإسقاط الحق فى الشفعة، لوما كان التحايل غشاً فإنه يمكن إثباته بالبينة والقرائن. وهذا الرأى الآخر هو الذى أخذت به محكمة النقض (نقض - جلسة 26/3/1953 - مجموعة المكتب الفنى - السنة 4 - مدنى - ص 678، وتنظر مؤلفات الدكاترة: كامل مرسى - جزء 2 - ص 242، وشفيق شحاته - فقه 243، ومحمد على عرفه - جزء 2 - فقرة 249، ومنصور مصطفى منصور - فقرة 133، وعبد المنعم الصده - فقرة 288، والسنهورى - 9 - فقرة 185). وذهبت بعض المحاكم إلى أن التلاصق لا يكون متحققاً إلا إذا كان ممتداً بقدر كاف، كأن يمتد لنصف الحد أو ثلثه مثلاً، وأن القاضى هو الذى يقدر ما إذا كان التلاصق على امتداد كاف لتبرير الشفعة وأن الإلتصاق بين المالكين فى أجزاء يسيرة أو فى بعض النقط لا يعتبر تلاصقاً بالمعنى القانونى (ينظر فى هذا الرأى مؤلفات الدكاترة كامل مرسى - 2 - فقرة 223، وشفيق شحاته - ص 259). أما محكمة النقض فقد قضت بأنه: لا يشترط أن يكون التلاصق على امتداد كاف، ذلك أن الشارع قد استمد شفعة الجوار من فقه الحنفية، والرأى فى هذا المذهب هو أن التلاصق ولو بشبر واحد يكفى (نقض - جلسة 1/4/1954 - مجموعة المكتب الفنى - السنة 5 - مدنى - ص 374، ومن هذا الرأى الدكاترة: عبدالفتاح عبدالباقى - ص 348، واسماعيل غانم - ص 71، ومنصور مصطفى منصور - فقرة 133، والسنهورى - ص 568، وعبدالمنعم الصده - فقرة 288). ويشترط أن يثبت الشفيع أن التلاصق كان قائماً عند البيع واستمر قائم إلى حين طلب الشفعة. ولما كان التلاصق واقعة مادية فإنه يمكن إثبات التلاصق بكافة الطرق(5). 4- الأصل هو حرية التعاقد، والاستثناء هو إجبار البائع على التعاقد مع غير من اختاره، ويتحقق هذا الاستثناء إذا ما توافر سبب من أسباب الأخذ بالشفعة التى حددتها المادة 936 من القانون المدنى - فحق الأخذ بالشفعة يثبت: (أ) كمالك الرقبة - إذا بيع حق الإنتفاع الملابس لها أو بعضه. (ب) لشريك فى الشيوع - إذا بيع شئ من العقار الشائع إلى أجنبى. (ج) لصاحب حق الإنتفاع - إذا بيعت كل الرقبة الملابسة لهذا الحق أو بعضها. (د) لمالك الرقبة فى الحكر إذا بيع حق الحكر، وللمستحكر إذا بيعت الرقبة. (هـ) للجار المالك - فى الأحوال الآتية: 1- إذا كانت العقارات من المبانى أو من الأراضى المعدة للبناء سواء أكانت العقارات فى المدن أو فى القرى. 2- إذا كان للأراضى المبيعة حق ارتفاق على أرض الجار، أو كان حق الارتفاق لأرض الجار على الأرض المبيعة. 3- إذا كانت أرض الجار ملاصقة للأرض المبيعة من جهتين وتساوى من القيمة نصف ثمن الأرض المبيعة على الأقل. ويعتبر الجوار سبباً من أسباب الأخذ بالشفعة، وقد نصت على هذا الحكم صراحة الفقرة الأخيرة من المادة 936 مدنى. أما أئمة المسلمين فقد اختلفوا فى إعتبار الجوار أو عدم إعتباره سبباً من أسباب الأخذ بالشفعة - فذهب البعض منهم إلى إعتباره سبباً من أسباب الأخذ بها، وذهب البعض الآخر إلى عدم إعتباره كذلك. وكانت حجج القائلين بالشفعة بسبب الجوار: (1) منع المضايقة التى قد تصيب الجار إذا لم يكن له أن يأخذ بالشفعة. فإذا كان للشريك على الشيوع أن يشفع إذا باع شريكه حصة شائعة فى العقار المملوك لها على الشيوع منعاً لمضايقته فليس هناك ما يمنع من عدم تقرير الشفعة بسبب الجوار، فالعلة واحدة فى الحالتين. (2) ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من إكرام الجار ورعايته. (3) عن الشويد بن سويد قال: قلت يا رسول الله أرض ليست لأحد فيها شريك ولا قسم إلا الجوار. فقال: "الجار أحق بشفعة ما كان". وقد اختلف الشروح فى تفسير معنى هذا الحديث. فقال النبوى: ليس فى هذا الحديث ذكر الشفعة، فيحتمل أن يكون المراد به الشفعة، وقد يكون المراد به أن الجار أحق بالبر والرعاية فقط. وقال آخرون: إن قوله: أحق بشفعة "المراد بها الشفعة بالجوار، إذ الشفعة تعنى القرب. (4) وعن عطاء بن جابر قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحدا". فلابد من اتحاد الطريق بثبوت الشفعة وليس الجوار وحده (الدكتور كامل مرسى - المرجع السابق - ص 167 هامش 11). ومن مجمل هذه الأدلة ذهب أبو حنيفة وأهل العراق إلى القول بجواز الشفعة بسبب الجوار وإعتباره سبباً من أسباب الأخذ بالشفعة. أما حجج المنكرين للشفعة بسبب الجوار: (1) عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فى كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا قسمة. (2) وعن جابر أيضاً أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فى كل شركة لم تقسم، ريعه أو حائطاً لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذن فهو أحق به. فالشفعة فى معنى هذين الحديثين تثبت فى كل شئ لم يقسم، فإذا حصلت القسمة فلا شفعة. وإذا كان الجوار سبباً من أسباب الأخذ بالشفعة لأمكن الاستناد إليه للأخذ بها ولو بعد القسمة. ومادام الجوار ليس سبباً فى نظر هؤلاء للأخذ بالشفعة، فالشفعة لا تكون إلا فى كل شركة لم تقسم. ولقد ذهب المالكية إلى عدم إعتبار الجوار سبباً من أسباب الأخذ بالشفعة وعنهم أخذت بعض التشريعات العربية ومنها القانون الليبى.
أما القانون المصرى فقد اعتد بالجوار وجعله سبباً من أسباب الأخذ بالشفعة(6). 5- الشفعة حق ومصدر من مصادر الحقوق العينية حيث تعتبر سبباً لكسب الملكية والإنتفاع والحكر فى بعض القوانين وهى لا تكون إلا فى العقار باتفاق كل القوانين الوضعية. غير أن هناك رأياً آخر يقول بأن الشفعة ليست أحد أسباب كسب الملكية المستقل عن الأسباب الأخرى، وذلك يعود إلى أن كلا من أسباب الملكية سبب مباشر بنفسه لكسب الملكية. أما الشفعة فهى ليست كذلك، لأنها فى الحقيقة حلول شخص مكان مشترى العقار المبيع، فهو إنما يملكه بسبب العقد الذى يبرم بين مالك العقار ومشتريه وليس بسبب عقد جديد إذا نفذ البيع ثبت، وإن بطل أو فسخ زال، وبهذا قالوا إن ا لبيع ينقض بالشفعة، وتتحول الصفقة من المشترى إلى الشفيع، وأن الأخذ بالشفعة من حقوق البيع، وأن الشفيع إنما يأخذ بما وجب بالعقد لا بما أعطى، وقد عرفوا الشفعة بأنها تمليك بمثل ما تملك به المشترى. لقد استمد المشرع السودانى والعربى نظام الشفعة من الشريعة الإسلامية كما أسلفنا، وهذه الشريعة هى المصدر المادى والتاريخى لنصوص الشفعة، وتلجأ المحاكم فى تفسير نصوص القانون إلى الفقه الإسلامى وبخاصة الفقه الحنفى فى السودان، كما أنها تلجأ إلى العرف فى حالة عدم وجود نص تشريعى أو حكم فقهى بشرط أن يكون العرف سليماً ومعقولاً ولا يتعارض مع النظام العام والدين والأخلاق والقانون. والشفعة كحق أو رخصة - إذ تؤدى إلى تمليك العقار المبيع للشفيع جبراً عن المشترى، تعتبر قيداً على حرية التصرف - غير أنه دفعاً لضرر متوقع للشفيع بسبب اتصال ملكه بالعقار المبيع. وقد أثار إبقاء الشفعة سبباً لكسب الملكية مناقشات طويلة فى مصر وغيرها من الدول العربية، ولكن استقر. الرأى على إبقائها لإعتبارات تاريخية، لأن هذا النظام قد أصبح جزءاً من التقاليد القانونية للبلاد، هذا إلى ما للشفعة من فائدة فى جمع ما تفرق من حق الملكية كضم الإنتفاع إلى الرقبة من طريق الأخذ بالشفعة فى مصر مثلاً. وإذا ألقينا نظرة على القوانين المدنية العربية نجد أن القوانين المصرية والسودانية والليبية واللبنانية والعراقية أخذت بنظام الشفعة، أما القانون السورى فلم يأخذ بهذا النظام(7). 6- اختلف فقهاء الشريعة فيمن يأخذ بالشفعة، فقال الحنفية أنها تثبت للشريك والخليط والجار. وقال الشافعية إنها لا تثبت إلا للشريك فى العقار. وسند الحنفية أن السبب الذى تقوم عليه الشفعة هو منع الأذى ومنع احتمال الضرر بالأجنبى وذلك يقع بالجوار والخلطة فى حقوق العقار مثل ما يقع بالشفعة فى العقار نفسه، وقد وردت الأحاديث الخاصة بالشفعة تعلقه بالجار كما تقدم. أما الشافعية وغيرهم من الفقهاء فيوردون أحاديث أخرى تؤيدهم فى قصر الشفعة على الشريك فى العقار خاصة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الشفعة فيما لم يقسم". وقد أخذ القانون بالشفعة لثلاثة أشخاص: الشريك فى العقار الشائع، والخليط فى حق ارتفاق العقار، والجار الملاصق. فسبب الشفعة على هذا هو اتصال العقار المبيع وهو المشفوع بالعقار المشفوع به اتصال شركة أو اتصال خلطة أو جوار (انظر: بدائع الصنائع - ج5 - ص 11)، وذلك كما أخذ به القانون المصرى فى المادة 936، ولكنه زاد على هذه الأسباب الثلاثة ما يأتى: 1- مالك الرقبة إذا بيع كل حق الإنتفاع الملابس لها أو بعده. 2- صاحب حق الإنتفاع إذا بيعت كل الرقبة الملابسة لهذا الحق أو بعضها. 3- مالك الرقبة فى الحكر إذا بيع حق الحكر والمستحكر إذا بيعت الرقبة.وقد خالف القانون المصرى فى هذه الأسباب قواعد الشريعة من حيث الظاهر. ولكنه حقق ما قصد إليه التشريع الإسلامى وهو إزالة الضرر والمضارة بين الشريكين ورفع أسباب النزاع ثم جمع الملكية المتفرقة فى ملكية واحدة ليتحقق الدافع إلى الإعمار وحسن الاستغلال، وذلك يتوافر فى مالك الرقبة يشفع فى حق الإنتفاع بملكه، فيحل فيه محل الأجنبى فتتحد ملكيته للرقبة والإنتفاع معاً، كما يتوافر فى صاحب حق الإنتفاع إذا باع مالك الرقبة عقاره فتتحد الملكية فى شخص المنتفع، أما فى حالة الحكر، وهو عقد إيجار يقصد استبقاء الأرض للبناء والغراس أو لأحدهما، فإن فيه الشفعة لكل من مالك الأرض، المحتكر، المستأجر) على النحو الذى يجوز بين المنتفع ومالك الرقبة إنهاء لحالة الحكر الدائم على الأرض وهى حالة غير مرغوب فى بقائها.ولم يأخذ القانون العراقى بهذه الأسباب لأن الحالات التى تقابلها فى العراق إنما تتحقق غالباً فى الأراضى الأميرية فتنتفى الحالتان الأولى وفى الأراضى الموقوفة فتنتفى الحالة الثالثة، ولكل من هذه الأنواع الثلاثة فى القانون العراقى قواعده الخاصة المشرعة فى قوانين الأراضى قبل نفاذ القانون المدنى الجديد وفى مكان آخر من هذا القانون بعد نفاذه(8). ____________________ (2) من أصحاب الرأى الأول: الدكتور محمد على عرفه - جزء 2 - ص 412، والدكتور عبدالمنعم البدراوى - ص 432، والدكتور عبدالفتاح عبدالباقى - ص 344 و 345. (3) ومن أصحاب الرأى الثانى: الدكتور شفيق شحاتة - ص 259، والدكتور اسماعيل غانم - جزء 2 - ص 26 و 27، والدكتور عبدالمنعم فرج الصده - ص 407. (4) حق الملكية - للدكتور منصور مصطفى منصور - المرجع السابق - ص 308 وما بعدها. (5) حق الملكية - للدكتور عبدالمنعم البدراوى - ص 335 وما بعدها. (6) الحقوق العينية الأصلية - للدكتور محمد على عمران - المرجع السابق - ص 106 وما بعدها. (7) قوانين الملكية العقارية فى السودان - للدكتور سعيد محمد المهدى - المرجع السابق - ص 78 وما بعدها. (8) الملكية العقارية فى العراق - للأستاذ حامد مصطفى - الجزء 1 - ص 208 وما بعدها.
لتحميل البحث بصيغة الورد اضغط هنا 

كتابة تعليق